وفرعون وملؤه يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى . بل إنهم ليعلنونها صريحة . ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة , باتهام موسى بأنه ساحر عليم:(قال الملأ من قوم فرعون:إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم . فماذا تأمرون ?). .
إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة . إنها الخروج من الأرض . . إنها ذهاب السلطان . . إنها إبطال شرعية الحكم . . أو . . محاولة قلب نظام الحكم ! . . بالتعبير العصري الحديث !
إن الأرض لله . والعباد لله . فإذا ردت الحاكمية في أرض لله , فقد خرج منها الطغاة , الحاكمون بغير شرع الله ! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم . وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى , فيعبدون الناس لهذه الأرباب !
هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة . . وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة . . لقد قال الرجل العربي - بفطرته وسليقته - حين سمع رسول الله [ ص ] يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله:" هذا أمر تكرهه الملوك ! " . وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته:" إذن تحاربك العرب والعجم " . . لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته . كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عرباً كانوا أم عجماً ! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب , لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيداً . فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد , ولا في أرض واحدة . شهادة أن لا إله إلا الله , مع الحكم بغير شرع الله ! فيكون هناك آلهة مع الله ! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم "مسلمين" . . ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل !
وهكذا قال الملأ من قوم فرعون , يتشاورون مع فرعون:
(إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم . فماذا تأمرون ?).
واستقر رأيهم على أمر:
(قالوا:أرجه وأخاه , وأرسل في المدائن حاشرين , يأتوك بكل ساحر عليم). .
وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد . وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر . ففي الوثنيات كلها تقريباً يقترن الدين بالسحر ; ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة ! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها "علماء الأديان ! " فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة ! ويقول الملحدون منهم:إن الدين سيبطل كما بطل السحر ! وإن العلم سينهي عهد الدين كما أنهى عهد السحر ! . . إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه:"العلم" !
وقد استقر رأي الملأ من قوم فرعون , على أن يرجىء فرعون موسى إلى موعد . وأن يرسل في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة . ذلك ليواجهوا "سحر موسى " - بزعمهم - بسحر مثله .
وعلى كل ما عرف من طغيان فرعون , فقد كان في تصرفه هذا أقل طغياناً من طواغيت كثيرة في القرن العشرين ; في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين ! وتهديد السلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة !
الدرس الثالث:113-114 استعداد السحرة للمبارة
ويطوي السياق القرآني إجراء فرعون وملئه في جمع السحرة من المدائن ; ويسدل الستار على المشهد الأول ,