|
في ظلال القرآن
الكريم
الأعراف من الاية 123 الى الاية 126 قَالَ فöرْعَوْنُ آمَنتُم بöهö قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إöنَّ هَِذَا لَمَكْرñ مَّكَرْتُمُوهُ فöي الْمَدöينَةö لöتُخْرöجُواْ مöنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لأُقَطّöعَنَّ أَيْدöيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مّöنْ خöلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلّöبَنَّكُمْ أَجْمَعöينَ (124) قَالُواْ إöنَّا إöلَى رَبّöنَا مُنقَلöبُونَ (125) وَمَا تَنقöمُ مöنَّا إöلاَّ أَنْ آمَنَّا بöآيَاتö رَبّöنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرöغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلöمöينَ (126)
ثم إنه الفزع على العرش المهدد والسلطان المهزوز: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها). . وفي نص آخر: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)! والمسألة واضحة المعالم . . إنها دعوة موسى إلى (رب العالمين). . هي التي تزعج وتخيف . . إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين . وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته . وإقامة أنفسهم أرباباً من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون , ويعبدون الناس لما يشرعون ! . . إنهما منهجان لا يجتمعان . . . أو هما دينان لا يجتمعان . . أو هما ربان لا يجتمعان . . وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون . . ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين . فأولى أن يفزعوا الأن وقد ألقي السحرة ساجدين . قالوا:آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون ! والسحرة من كهنة الديانة الوثنية التي تؤله فرعون , وتمكنه من رقاب الناس باسم الدين ! وهكذا أطلق فرعون ذلك التوعد الوحشي الفظيع: (فسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ثم لأصلبنكم أجمعين). . إنه التعذيب والتشوية والتنكيل . . وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق , الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان . . وعدة الباطل في وجه الحق الصريح . . ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان ; تستعلى على قوة الأرض , وتستهين ببأس الطغاة ; وتنتصر فيها العقيدة على الحياة , وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم . إنها لا تقف لتسأل:ماذا ستأخذ وماذا ستدع ? ماذا ستقبض وماذا ستدفع ? ماذا ستخسر وماذا ستكسب ? وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات ? . . لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك , فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق . .(قالوا:إنا إلى ربنا منقلبون . وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا . ربنا أفرغ علينا صبراً , وتوفنا مسلمين). . إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع . كما أنه لا يخضع أو يخنع . الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها , ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره: (قالوا:إنا إلى ربنا منقلبون). . والذي يدرك طبيعة المعركة بينه وبين الطاغوت . . وأنها معركة العقيدة في الصميم . . لا يداهن ولا يناور . . ولا يرجو الصفح والعفو من عدو لن يقبل منه إلا ترك العقيدة , لأنه إنما يحاربه ويطارده على العقيدة: (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا). . والذي يعرف أين يتجه في المعركة , وإلى من يتجه ; لا يطلب من خصمه السلامة والعافية , إنما يطلب من ربه الصبر على الفتنة والوفاة على الإسلام: (ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين). . ويقف الطغيان عاجزاً أمام الإيمان , وأمام الوعي , وأمام الاطمئنان . . يقف الطغيان عاجزاً أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب ! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام . فإذا هي مستعصية عليه , لأنها من أمر الله , لا يملك أمرها إلا الله . . وماذا يملك الطغيان إذا رغبت القلوب في جوار الله ? وماذا يملك الجبروت إذا اعتصمت القلوب بالله ? وماذا يملك السلطان إذا رغبت القلوب عما يملك السلطان ! إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية . هذا الذي كان بين فرعون وملئه , والمؤمنين من السحرة . . السابقين . . إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار "الإنسان" على "الشيطان" ! إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية . بإعلان ميلاد الحرية الحقيقية . فما الحرية إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبرين وطغيان الطغاة . والاستهانة بالقوة المادية التي تملك أن تتسلط على الأجسام والرقاب وتعجز عن استذلال القلوب والأرواح . ومتى عجزت القوة المادية عن استذلال القلوب فقد ولدت الحرية الحقيقية في هذه القلوب . إنه موقف حاسم في تاريخ البشرية بإعلان إفلاس المادية ! فهذه القلة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على الفوز , وتمنى بالقرب من السلطان . . هي ذاتها التي تستعلي على فرعون ; وتستهين بالتهديد والوعيد , وتُقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب . وما تغير في حياتها شيء , ولا تغير من حولها شيء - في عالم المادة - إنما وقعت اللمسة الخفية التي تسلك الكوكب المفرد في الدورة الكبرى . وتجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت , وتصل الفرد الفاني بقوة الأزل والأبد . . وقعت اللمسة التي تحوّل الإبرة , فيلتقط القلب إيقاعات القدرة , ويتسمع الضمير أصداء الهداية , وتتلقى البصيرة إشراقات النور . . وقعت اللمسة التي لا تنتظر أي تغيير في الواقع المادي ; ولكنها هي تغير الواقع المادي ; وترفع "الإنسان" في عالم الواقع إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال ! ويذهب التهديد . . ويتلاشى الوعيد . . ويمضي الإيمان في طريقه . لا يتلفت , ولا يتردد , ولا يحيد ! ويسدل السياق القرآني الستار على المشهد عند هذا الحد ولا يزيد . . إن روعة الموقف تبلغ ذروتها ; وتنتهي إلى غايتها . وعندئذ يتلاقى الجمال الفني في العرض ; مع الهدف النفسي للقصة , على طريقة القرآن في مخاطبة الوجدان الإيماني بلغة الجمال الفني , في تناسق لا يبلغه إلا القرآن . تعقيب على الدرس الرابع ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ . . . نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين , رب موسى وهارون , يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ; لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان , مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان . . وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل . . ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها . . إنه لا يجتمع في قلب واحد , ولا في بلد واحد , ولا في نظام حكم واحد , أن يكون الله رب العالمين , وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد , يباشره بتشريع من عنده وقوانين . . فهذا دين وذلك دين . . ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم , وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ; وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين . فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ; ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون . . أو بتعبير آخر مرادف:من ربوبية فرعون , ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله . . وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده . فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله . . إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ; وأن عدوهم على دين غير دينهم ; لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين . . فهو إذن من الكافرين . . وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه:أنهم هم المؤمنون , وأن أعداءهم هم الكافرون , وأنهم إنما يحاربونهم على الدين , ولا ينقمون منهم إلا الدين . ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة . وانتصار العزيمة على الألم . وانتصار "الإنسان" على الشيطان . وهو مشهد بالغ الروعة . . نعترف أننا نعجز عن القول فيه . فندعه كما صوره النص القرآني الكريم ! الدرس الخامس:127 فرعون يهدد المؤمنين بالعذاب ثم نعود إلى سياق القصة القرآني . . حيث يرفع الستار عن مشهد رابع جديد . . إنه مشهد التآمر والتناجي بالإثم والتحريض . بعد الهزيمة والخذلان في معركة الإيمان والطغيان . مشهد الملأ من قوم فرعون يكبر عليهم أن يذهب موسى ناجياً والذين آمنوا معه - وما آمن له إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم . كما جاء في موضع آخر من القرآن - فإذا الملأ يتناجون بالشر والإثم , وهم يهيجون فرعون على موسى ومن معه ; ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم ; من ضياع الهيبة والسلطان ; باستشراء العقيدة الجديدة , في ربوبية الله للعالمين . فإذا هو هائج مائج , مهدد متوعد , مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه , وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه ! (وقال الملأ من قوم فرعون:أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ? قال:سنقتل أبناءهم , ونستحيي نساءهم , وإنا فوقهم قاهرون). . إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره ; أو أن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية . إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل ! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ; وأنه بإرادته وأمره تمضي الشئون وتقضى الأمور . وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه , وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك , كما هو ظاهر من قول الملأ له: (ويذرك وآلهتك)وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية . إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم , لا يعصون له أمراً , ولا ينقضون له شرعاً . . وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة . . فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه , وذلك هو تفسير رسول الله [ ص ] لقوله تعالى عن اليهود والنصارى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله . . . الآية عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانياً جاء ليسلم - فقال:يا رسول الله ماعبدوهم . فقال له رسول الله [ ص ]:" بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ; فاتبعوهم , فذلك عبادتهم إياهم " . . . [ أخرجه الترمذي ] .
السابق - التالي
|