والتفضيل على العالمين - في زمانهم يتجلى في اختيارهم لرسالة التوحيد من بين المشركين . وليس وراء ذلك فضل ولا منة . فهذا ما لا يعدله فضل ولا منة . كما أنه اختارهم ليورثهم الأرض المقدسة - التي كانت إذ ذاك في أيد مشركة - فكيف بعد هذا كله يطلبون إلى نبيهم أن يطلب لهم إلهاً غير الله ; وهم في نعمته وفضله يتقلبون ?!
وعلى طريقة القرآن الكريم في وصل ما يحكيه عن أولياء الله بما يحكيه عن الله - سبحانه - يستطرد السياق بخطاب من الله تعالى موصول بكلام موسى - عليه السلام - موجه كذلك لقومه:
(وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب , يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم . وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم). .
وفي مثل هذا الوصل في القرآن الكريم , بين كلام الله - سبحانه - وما يحكيه من كلام أوليائه , تكريم أي تكريم لهؤلاء الأولياء لا ريب فيه !
وهذه المنة التي يمتنها الله على بني إسرائيل - في هذا الموضع - كانت حاضرة في أذهانهم وأعصابهم . ولقد كانت هذه المنة وحدها كفيلة بأن تذكر وتشكر . . والله سبحانه وتعالى يوجه قلوبهم لما في ذلك الابتلاء من عبرة . . ابتلاء العذاب وابتلاء النجاة . الابتلاء بالشدة والابتلاء بالرخاء . .
(وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم). .
فما كان شيء من ذلك كله جزافا بلا تقدير . ولكنه الابتلاء للموعظة وللتذكير . وللتمحيص والتدريب . وللإعذار قبل الأخذ الشديد . إن لم يفلح الابتلاء في استصلاح القلوب !
الدرس الثاني:142 موسى يوصي هارون ويذهب إلى الطور
وينتهي هذا المشهد بين موسى وقومه , ليبدأ المشهد الثامن الذي يليه . . مشهد تهيؤ موسى - عليه السلام - للقاء ربه العظيم ; واستعداده للموقف الهائل بين يديه في هذه الحياة الدنيا ; ووصيته لأخيه هارون - عليه السلام - قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم:
(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة , وأتممناها بعشر , فتم ميقات ربه أربعين ليلة . . وقال موسى لأخيه هارون:اخلفني في قومي , وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين). .
لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها . انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه ; وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة , في طريقهم إلى الأرض المقدسة . . ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى . . مهمة الخلافة في الأرض بدين الله . . ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم ; وتخلخلت عقيدة التوحيد التي جاءهم بها موسى - عليه السلام - ولم يمض إلا القليل ! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم ; وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم . . ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه . وكانت هذه المواعدة إعداداً لموسى لنفسه , كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم , ويستعد لتلقيه .
وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة , أضيفت إليها عشر , فبلغت عدتها أربعين ليلة , يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود ; وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء ; ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل ; وتصفو روحه وتشف وتستضيء ; وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة . .