وألقى موسى إلى أخيه هارون - قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه - بوصيته تلك:
(وقال موسى لأخيه هارون:اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين). .
ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه . ولكن المسلم للمسلم ناصح . والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم . . ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة , وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل ! . . وقد تلقى هارون النصيحة . لم تثقل على نفسه ! فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه ; وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار , الذين يحسون في النصيحة تنقصاً لأقدارهم ! . . إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده ; ليظهر أنه كبير !!!
فأما قصة الليالي الثلاثين وإتهامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير:" فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة ; قال المفسرون:فصامها موسى - عليه السلام - وطواها , فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة , فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين " . .
الدرس الثالث:143 - 147 موسى يتلقى التوراة على جبل الطور
ثم يأتي السياق للمشهد التاسع . المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى - عليه السلام - مشهد الخطاب المباشر بين الجليل - سبحانه - وعبد من عباده . المشهد الذي تتصل فيه الذرة المحدودة الفانية بالوجود الأزلي الأبدي بلا وساطة ; ويطيق الكائن البشري أن يتلقى عن الخالق الأبدي , وهو بعد على هذه الأرض . . ولا ندري نحن كيف . . لا ندري كيف كان كلام الله - سبحانه - لعبده موسى . ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله . فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا نحن البشر المحكومين في تصوراتنا بنصيبنا المحدود من الطاقة المدركة ; وبرصيدنا المحدود من التجارب الواقعة . ولكننا نملك بالسر اللطيف المستمد من روح الله الذي في كياننا أن نستروح وأن نستشرف هذا الأفق السامق الوضيء . ثم نقف عند هذا الاستشراف لا نحاول أن نفسده بسؤالنا عن الكيفية , نريد أن نتصورها بإدراكنا القريب المحدود !
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه , قال:رب أرني أنظر إليك . قال:لن تراني , ولكن انظر إلى الجبل , فإن استقر مكانه فسوف تراني . فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً , وخر موسى صعقاً . فلما أفاق قال:سبحانك ! تبت إليك وأنا أول المؤمنين . قال:يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي . فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين . وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء , فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها . سأريكم دار الفاسقين . سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها , وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً , ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين . والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم . هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ? .
إننا لفي حاجة إلى استحضار ذلك الموقف الفريد في خيالنا وفي أعصابنا وفي كياننا كله . . في حاجة إلى استحضاره لنستشرف ونحاول الاقتراب من تصوره ; ولنشعر بشيء من مشاعر موسى عليه السلام فيه . .
(ولما جاء موسى لميقاتنا , وكلمه ربه , قال:رب أرني أنظر إليك). .
إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه ; وروحه تتشوف وتستشرف وتشتاق إلى ما يشوق ! فينسى من هو , وينسى ما هو , ويطلب ما لا يكون لبشر في هذه الأرض , وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض . . يطلب