لا تتخلف ! وهذه هي السمة التي يرسمها التعبير , ويطبع بها هذا النموذج المتكبر , الذي قضت مشيئة الله أن يجازيه على التكذيب بآيات الله والغفلة عنها بصرفه عن هذه الآيات أبداً ! وإن الانسان ليصادف هذا الصنف من الخلق بوصفه هذا وسمته وملامحه , فيرى كأنما يتجنب الرشد ويتبع الغي دون جهد منه , ودون تفكير ولا تدبير ! فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه , وينشرح لطريق الغي ويتبعه ! وهو في الوقت ذاته مصروف عن آيات الله لا يراها ولا يتدبرها ولا تلتقط أجهزته إيحاءاتها وإيقاعاتها ! وسبحان الله ! فمن خلال اللمسات السريعة في العبارة القرآنية العجيبة ينتفض هذا النموذج من الخلق شاخصاً بارزاً حتى ليكاد القارئ يصيح لتوه:نعم . نعم . أعرف هذا الصنف من الخلق . . إنه فلان !!! وإنه للمعنيّ الموصوف بهذه الكلمات !!!
وما يظلم الله هذا الصنف من الخلق بهذا الجزاء المردي المؤدي الى الهلاك في الدنيا والآخرة . . إنما هو الجزاء الحق لمن يكذب بآيات الله ويغفل عنها , ويتكبر في الأرض بغير الحق , ويتجنب سبيل الرشد حيثما رآه , ويهرع الى سبيل الغي حيثما لاح له ! فإنما بعمله جوزي ; وبسلوكه أورد موارد الهلاك .
(ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين). .
(والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم . هل يجزون إلا ما كانوا يعملون). .
وحبوط الأعمال مأخوذ من قولهم:حبطت الناقة . . إذا رعت نباتاً ساماً , فانتفخ بطنها ثم نفقت . . وهو وصف ملحوظ فيه طبيعة الباطل الذي يصدر من المكذبين بآيات الله ولقاء الآخرة . فهو ينتفخ حتى يظنه الناس من عظمة وقوة ! ثم ينفق كما تنفق الناقة التي رعت ذلك النبات السام !
وإنه لجزاء كذلك حق أن تحبط وتهلك أعمال الذين كذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة . . ولكن كيف تحبط هذه الأعمال ?
من ناحية الاعتقاد . . نحن نؤمن بصدق وعيد الله لا محالة , أياً كانت الظواهر التي تخالف هذه العاقبة المحتومة . فحيثما كذب أحد بآيات الله ولقائه في الآخرة حبط عمله وبطل , وهلك في النهاية وذهب كأن لم يكن . .
ومن ناحية النظر . . نحن نجد السبب واضحاً في حياة البشر . . إن الذي يكذب بآيات الله المبثوثة في صفحات هذا الكون المنشور , أو آياته المصاحبة للرسالات , أو التي يحملها الرسل ; ويكذب تبعاً لهذا بلقاء الله في اليوم الآخر . . إن هذا الكائن المسيخ روح ضالة شاردة عن طبيعة هذا الكون المؤمن المسلم ونواميسه . . لا تربطه بهذا الكون رابطة . وهو منقطع عن دوافع الحركة الصادقة الموصولة بغاية الوجود واتجاهه . وكل عمل يصدر عن مثل هذا المسخ المقطوع هو عمل حابط ضائع , ولو بدا أنه قائم وناجح . لأنه لا ينبعث عن البواعث الأصيلة العميقة في بنية هذا الوجود ; ولا يتجه الى الغاية الكبيرة التي يتجه اليها الكون كله . شأنه شأن الجدول الذي ينقطع عن النبع الأول ; فمآله الى الجفاف والضياع في يوم قريب أو بعيد !
والذين لا يرون العلاقة الوثيقة بين تلك القيم الإيمانية وحركة التاريخ الإنساني ; والذين يغفلون عن قدر الله الذي يجري بعاقبة الذين يتنكرون لهذه القيم . . هؤلاء إنما هم الغافلون الذين أعلن الله - سبحانه - عن مشيئته في أمرهم , بصرفهم عن رؤية آياته , وتدبر سننه . . وقدر الله يتربص بهم وهم عنه غافلون . .
والذين يخدعهم ما يرونه في الأمد القصير المحدود , من فلاح بعض الذين يغفلون عن تلك القيم الإيمانية ونجاحهم ; إنما يخدعهم الانتفاخ الذي يصيب الدابة وقد رعت النبت السام ; فيحسبونه شحماً وسمنة وعافية