وصحة . . والهلاك يترصدها بعد الانتفاخ والحبوط ! والأمم التي خلت شاهد واقع . ولكن الذين سكنوا مساكنهم من بعدهم , لا يأخذون منهم عبرة , ولا يرون سنة الله التي تعمل ولا تتخلف ; وقدر الله الذي يجري ولا يتوقف . . والله من ورائهم محيط . .
الدرس الرابع:148 - 149 بنو إسرائيل يعبدون العجل في غيبة موسى
وبينما كان موسى - عليه السلام - في حضرة ربه , في ذلك الموقف الفريد , الذي تستشرفه البصائر وتقصر عنه الأبصار ; وتدركه الأرواح وتحار فيه الأفكار . . كان قوم موسى من بعده يرتكسون وينتكسون , ويتخذون لهم عجلاً جسداً له خوار - لا حياة فيه - يعبدونه من دون الله !
ويفاجئنا السياق القرآني بنقلة بعيدة من المشهد التاسع الى المشهد العاشر . نقلة هائلة من الجو العلوي السامق المشرق بسبحاته وأشواقه وابتهالاته وكلماته الى الجو الهابط المتردي بانحرافاته وخرافاته وارتكاساته وانتكاساته:
(واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار . ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ? اتخذوه وكانوا ظالمين . ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا:لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). .
إنها طبيعة إسرائيل التي ما تكاد تستقيم خطوة حتى تلتوي عن الطريق ; والتي ما تكاد ترتفع عن مدى الرؤية الحسية في التصور والاعتقاد ; والتي يسهل انتكاسها كلما فتر عنها التوجيه والتسديد . .
ولقد راودوا نبيهم من قبل أن يجعل لهم إلهاً يعكفون عليه بمجرد رؤيتهم لقوم وثنيين يعكفون على أصنام لهم ! فصدهم نبيهم عن ذلك الخاطر وردهم رداً شديداً . فلما خلوا الى أنفسهم , ورأوا عجلاً جسداً من الذهب - لا حياة فيه كما تفيد كلمة جسد - صنعه لهم السامري - رجل من السامرة كما يجيء تفصيل قصته في سورة طه - واستطاع أن يجعله بهيئة بحيث يخرج صوتاً كصوت خوار الثيران . . لما رأوا ذلك العجل الجسد طاروا إليه , وتهافتوا عليه حين قال لهم السامري:" هذا إلهكم وإله موسى " الذي خرج موسى لميقاته معه ; فنسي موسى موعده معه - ربما لزيادة الليالي العشر الأخيرة في الميقات التي لم يكن القوم يعلمونها , فلما زاد عن الثلاثين ولم يرجع قال لهم السامري:لقد نسي موسى موعده مع إلهه فهذا إلهه - ولم يتذكروا وصية نبيهم لهم من قبل بعبادة ربهم الذي لا تراه الأبصار - رب العالمين - ولم يتدبروا حقيقة هذا العجل الذي صنعه لهم واحد منهم ! . . وإنها لصورة زرية للبشرية تلك التي كان يمثلها القوم . صورة يعجب منها القرآن الكريم ; وهو يعرضها على المشركين في مكة وهم يعبدون الأصنام !
(ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ? اتخذوه وكانوا ظالمين !). .
وهل أظلم ممن يعبد خلقاً من صنع أيدي البشر . والله خلقهم وما يصنعون ?!
وكان فيهم هارون - عليه السلام - فلم يملك لهم رداً عن هذا الضلال السخيف . وكان فيهم بعض عقلائهم فلم يملكوا زمام الجماهير الضالة المتدافعة على العجل الجسد - وبخاصة أنه من الذهب معبود إسرائيل الأصيل !
وأخيراً هدأت الهيجة , وانكشفت الحقيقة , وتبين السخف , ووضح الضلال , وجاءت نوبة الندم والإقرار:
(ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا , قالوا:لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). .
يقال:سقط في يده إذا عدم الحيلة في دفع ما هو بصدده من أمر . . ولما رأى بنو إسرائيل أنهم صاروا -