بهذه النكسة - الى موقف لا يملكون دفعه فقد وقع منهم وانتهى ! قالوا قولتهم هذه:(لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). .
وهذه القولة تدل على أنه كان فيهم - إلى ذلك الحين - بقية من استعداد صالح . فلم تكن قلوبهم قد قست كما قست من بعد - فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما يصفهم من هو أعلم بهم ! - فلما أن تبين لهم ضلالهم ندموا وعرفوا أنه لا ينقذهم من عاقبة ما أتوا إلا أن تدركهم رحمة ربهم ومغفرته . . وهذه علامة طيبة على بقية من استعداد في الفطرة للصلاح . .
الدرس الخامس:150 - 154 موسى وهارون وعقاب عابدي العجل
كل ذلك وموسى - عليه السلام - بين يدي ربه , في مناجاة وكلام , لا يدري ما أحدث القوم بعده . . إلا أن ينبئه ربه . . وهنا يرفع الستار عن المشهد الحادي عشر:
ولما رجع موسى الى قومه غضبان أسفاً . قال:بئسما خلفتموني من بعدي ! أعجلتم أمر ربكم ? وألقى الألواح , وأخذ برأس أخيه يجره إليه . قال:ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني . فلا تشمت بي الأعداء , ولا تجعلني مع القوم الظالمين . قال:رب اغفر لي ولأخي , وأدخلنا في رحمتك , وأنت أرحم الراحمين . .
لقد عاد موسى الى قومه غضبان أشد الغضب . يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله . . يبدو في قوله لقومه:
(بئسما خلفتموني من بعدي ! أعجلتم أمر ربكم ?). .
ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه .
(وأخذ برأس أخيه يجره إليه !). .
وحق لموسى عليه السلام أن يغضب فالمفاجأة قاسية . والنقلة بعيدة:
(بئسما خلفتموني من بعدي). .
تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال , وتركتكم على عبادة الله فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار !
(أعجلتم أمر ربكم ?). .
أي استعجلتم قضاءه وعقابه ! أو ربما كان يعني:استعجلتم موعده وميقاته !
(وألقى الألواح , وأخذ برأس أخيه يجره إليه). .
وهي حركة تدل على شدة الانفعال . . فهذه الألواح هي التي كانت تحمل كلمات ربه . وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه . وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه . وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب !
فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة , ليسكن من غضبه , ويكشف له عن طبيعة موقفه , وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم:
(قال:ابن أم , إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني !). .
وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم الى العجل الذهب ; حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس:
ابن أم . . بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة .