وسيعرض السياق نماذج من ظلمهم لأنفسهم ; بالمعصية عن أمر الله والإلتواء عن طريقه . . وما يبلغون بهذا الإلتواء وتلك المعصية أن يظلموا الله - سبحانه - فالله غني عنهم وعن العالمين أجمعين . وما ينقص من ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على معصيته ; وما يزيد في ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على طاعته . إنما هم يؤذون أنفسهم ويظلمونها بالمعصية والإلتواء , في الدنيا وفي الآخرة سواء .
الدرس العاشر:161 - 162 تبديل بني إسرائيل لأوامر الله
والآن فلننظر كيف تلقى بنو إسرائيل رعاية الله لهم ; وكيف سارت خطواتهم الملتوية على طول الطريق:
وإذ قيل لهم:اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا:حطة , وأدخلوا الباب سجداً , نغفر لكم خطيئاتكم , سنزيد المحسنين . فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم , فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون . .
لقد عفا الله عنهم بعد اتخاذهم العجل ; وعفا عنهم بعد الرجفة على الجبل . ولقد أنعم عليهم بكل تلك النعم . . ثم ها هم أولاء تلتوي بهم طبيعتهم عن استقامة الطريق ! ها هم أولاء يعصون الأمر , ويبدلون القول ! ها هم أولاء يؤمرون بدخول قرية بعينها - أي مدينة كبيرة - لا يعين القرآن اسمها - لأنه لايزيد في مغزى القصة شيئاً - وتباح لهم خيراتها جميعاً , على أن يقولوا دعاء بعينه وهم يدخلونها ; وعلى أن يدخلوا بابها سجداً , إعلان للخضوع لله في ساعة النصر والاستعلاء - وذلك كما دخل رسول الله [ ص ] مكة في عام الفتح ساجداً على ظهر دابته - وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم الله أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم . . فإذا فريق منهم يبدلون صيغة الدعاء التي أمروا بها , ويبدلون الهيئة التي كلفوا أن يدخلوا عليها . . لماذا ? تلبية للانحراف الذي يلوي نفوسهم عن الاستقامة:
(فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم). .
عندئذ يرسل الله عليهم من السماء عذاباً . . السماء التي تنزل عليهم منها المن والسلوى وظللهم فيها الغمام ! . .
(فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون). .
وهكذا كان ظلم فريق منهم - أي كفرهم - ظلماً لأنفسهم بما أصابهم من عذاب الله . .
ولا يفصل القرآن نوع العذاب الذي أصابهم في هذه المرة . لأن غرض القصة يتم بدون تعيينه . فالغرض هو بيان عاقبة المعصية عن أمر الله , وتحقيق النذر , ووقوع الجزاء العادل الذي لا يفلت منه العصاة .
الدرس الحادي عشر:163 قصة أصحاب السبت
ومرة أخرى يقع القوم في المعصية والخطيئة . . وهم في هذه المرة لا يخالفون الأمر جهرة ولكنهم يحتالون على النصوص ليفلتوا منها ! ويأتيهم الابتلاء فلا يصبرون عليه , لأن الصبر على الابتلاء يحتاج إلى طبيعة متماسكة في تملك الارتفاع عن الأهواء والأطماع:
واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر , إذ يعدون في السبت , إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم . كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون . وإذ قالت أمة منهم:لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ? قالوا:معذرة إلى ربكم , ولعلهم يتقون . فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء , وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم:كونوا قردة خاسئين . وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب , إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم . .