الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

في ظلال القرآن الكريم

عودة للآيات

الأعراف

من الاية 171 الى الاية 171

وَإöذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةñ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقöعñ بöهöمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بöقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فöيهö لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)

يعدل السياق هنا عن أسلوب الحكاية عن ماضي بني إسرائيل , إلى أسلوب المواجهة لذراريهم التي كانت تواجه رسول الله [ ص ] في المدينة . . والآيات من هنا إلى قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة)آيات مدنية . نزلت في المدينة لمواجهة اليهود فيها ; وضمت إلى هذه السورة المكية في هذا الموضع , تكملة للحديث عما ورد فيها من قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى . .

يأمر الله سبحانه رسوله [ ص ] أن يسأل اليهود عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم . وهو يواجههم بهذا التاريخ بوصفهم أمة متصلة الأجيال ; ويذكرهم بعصيانهم القديم , وما جره على فريق منهم من المسخ في الدنيا ; وما جره عليهم جميعاً من كتابة الذل عليهم والغضب أبداً . . اللهم إلا الذين يتبعون الرسول النبي , فيرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .

ولا يذكر اسم القرية التي كانت حاضرة البحر ; فهي معروفة للمخاطبين ! فأما الواقعة ذاتها فقد كان أبطالها جماعة من بني إسرائيل يسكنون مدينة ساحلية . . وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيداً للعبادة ; ولا يشتغلون فيه بشؤون المعاش , فجعل لهم السبت . . ثم كان الابتلاء ليربيهم الله ويعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع ; وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات والأطماع . . وكان ذلك ضرورياً لبني إسرائيل الذين تخلخلت شخصياتهم وطباعهم بسبب الذل الذي عاشوا فيه طويلاً ; ولا بد من تحرير الإرادة بعد الذل والعبودية , لتعتاد الصمود والثبات . فضلاً على أن هذا ضروري لكل من يحملون دعوة الله ; ويؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض . . وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء هو أول اختبار وجه من قبل إلى آدم وحواء . . فلم يصمدا له واستمعا لإغراء الشيطان بشجرة الخلد وملك لا يبلى ! ثم ظل هو الاختبار الذي لا بد أن تجتازه كل جماعة قبل أن يأذن الله لها بأمانة الاستخلاف في الأرض . . إنما يختلف شكل الابتلاء , ولا تتغير فحواه !

ولم يصمد فريق من بني إسرائيل - في هذه المرة - للابتلاء الذي كتبه الله عليهم بسبب ما تكرر قبل ذلك من فسوقهم وانحرافهم . . لقد جعلت الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل , قريبة المأخذ , سهلة الصيد . فتفوتهم وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم ! فإذا مضى السبت , وجاءتهم أيام الحل . لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة , كما كانوا يجدونها يوم الحرم ! . . وهذا ما أمر رسول الله [ ص ] أن يذكرهم به ; ويذكرهم ماذا فعلوا وماذا لاقوا:

(واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر . إذ يعدون في السبت . إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم . كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون).

فأما كيف وقع لهم هذا , وكيف جعلت الأسماك تحاورهم هذه المحاورة , وتداورهم هذه المداورة . . فهي الخارقة التي تقع بإذن الله عندما يشاء الله . . والذين لا يعلمون ينكرون أن تجري مشيئة الله بغير ما يسمونه هم "قوانين الطبيعة " ! والأمر في التصور الإسلامي - وفي الواقع - ليس على هذا النحو . . إن الله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون , وأودعه القوانين التي يسير عليها بمشيئته الطليقة . ولكن هذه المشيئة لم تعد حبيسة هذه القوانين لا تملك أن تجري إلا بها . . لقد ظلت طليقة بعد هذه القوانين كما كانت طليقة . . وهذا ما يغفل عنه الذين لا يعلمون . . وإذا كانت حكمة الله ورحمته بعباده المخاليق قد اقتضت ثبات هذه القوانين ; فإنه لم يكن معنى هذا تقيد هذه المشيئة وانحباسها داخل هذه القوانين . . فحيثما اقتضت الحكمة جريان أمر من الأمور مخالفاً لهذه القوانين الثابتة جرت المشيئة طليقة بهذا الأمر . . ثم إن جريان هذه القوانين الثابتة في كل مرة تجريفيها إنما يقع بقدر من الله خاص بهذه المرة . فهي لا تجري جرياناً آلياً لا تدخل لقدر الله فيه . . وهذا مع ثباتها في طريقها ما لم يشأ الله أن تجري بغير ذلك . . وعلى أساس أن كل ما يقع - سواء من جريان القوانين الثابتة أو جريان غيرها - إنما يقع بقدر من الله خاص , فإنه تستوي الخارقة والقانون الثابت في جريانه بهذا القدر . . ولا آلية في نظام الكون في مرة واحدة - كما يظن الذين لا يعلمون ! - ولقد بدأوا يدركون هذا في ربع القرن الأخير !

على أية حال , لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل . . فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء , فتتهاوى عزائمهم , وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم , فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت ! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب , وتقل التقوى , ويصبح التعامل مع مجرد النصوص , ويراد التفلت من ظاهر النصوص ! . . إن القانون لا تحرسه نصوصه , ولا يحميه حراسه . إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته , فتحرس هي القانون وتحميه . وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه ! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية ! ولن تستطيع الدولة - كائناً ما كان الإرهاب فيها - أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته ; ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس , ومراقبتهم له في السر والعلن . .

من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية . وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر ولا سلطان فيها من الله . . ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها . وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها !

وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت , الذي حرم عليهم الصيد فيه . . وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت ; حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه ; وقالوا:إنهم لم يصطادوه في السبت , فقد كان في الماء - وراء الحواجيز - غير مصيد !

وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله ! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله ! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال !

بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر:ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة , وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه ? وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب ?

(وإذ قالت أمة منهم:لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ?).

فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم , ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم . بعدما كتب الله عليهم الهلاك أو العذاب الشديد ; بما اقترفوه من انتهاك لحرمات الله .

(قالوا:معذرة إلى ربكم , ولعلهم يتقون). .

فهو واجب لله نؤديه:واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والتخويف من انتهاك الحرمات , لنبلغإلى الله عذرنا , ويعلم أن قد أدينا واجبنا . ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى .

وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق . . أو ثلاث أمم . . فالأمة في التعريف الإسلامي هي مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة وتصور واحد وتدين لقيادة واحدة , وليست كما هي في المفهوم الجاهلي القديم أو الحديث , مجموعة الناس التي تسكن في إقليم واحد من الأرض وتحكمها دولة واحدة ! فهذا مفهوم لا يعرفه الإسلام , إنما هي من مصطلحات الجاهلية القديمة أو الحديثة !

وقد انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم:أمة عاصية محتالة . وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة . وأمة تدع المنكر وأهله , وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي . . وهي طرائق متعددة من التصور والحركة , تجعل الفرق الثلاث أمماً ثلاثاً !

فلما لم يجد النصح , ولم تنفع العظة , وسدر السادرون في غيهم , حقت كلمة الله , وتحققت نذره . فإذا الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء . وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد الذي سيأتي بيانه . فأما الفرقة الثالثة - أوالأمة الثالثة - فقد سكت النص عنها . . ربما تهوينا لشأنها - وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب - إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي , ووقفت عند حدود الإنكار السلبي . فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب:

فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء , وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم:كونوا قردة خاسئين . .

لقد كان العذاب البئيس - أي الشديد - الذي حل بالعصاة المحتالين , جزاء إمعانهم في المعصية - التي يعتبرها النص هي الكفر , الذي يعبر عنه بالظلم مرة وبالفسق مرة كما هو الغالب في التعبير القرآني عن الكفر والشرك بالظلم والفسق ; وهو تعبير يختلف عن المصطلح الفقهي المتأخر عن هذه الألفاظ إذ أن مدلولها القرآني ليس هو المدلول الذي جعل يشيع في التعبير الفقهي المتأخر - كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية ! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم , حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم "الحيوان" حين تخلوا عن خصائص "الإنسان" . فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان !

أما كيف صاروا قردة ? وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة ? هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه ? أم تناسلوا وهم قردة ? . . . إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير . . . فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم ; وليس وراءه عن رسول الله [ ص ] شيء . . فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه .

لقد جرت كلمة الله التي يجري بها الخلق والتكوين ابتداء ; كما يجري بها التحوير والتغيير . . كلمة "كن" .

(قلنا لهم:كونوا قردة خاسئين). .

فكانوا قردة مهينين . كما جرى القول الذي لا راد له ; ولا يعجز قائله عن شيء سبحانه !

ثم كانت اللعنة الأبدية على الجميع - إلا الذين يؤمنون بالنبي الأمي ويتبعونه - بما انتهى إليه أمرهم بعد فترة من المعصية التي لا تنتهي ; وصدرت المشيئة الإلهية بالحكم الذي لا راد له ولا معقب عليه:

(وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب . إن ربك لسريع العقاب , وإنه لغفور رحيم). .

فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدوره ; فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب . والذي سيظل نافذاً في عمومه , فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب . وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا , جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة , الناكثة العاصية , التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية ; ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف . .

ولقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توقفت , وأن يهود قد عزت واستطالت ! وإن هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ . . ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية , وما بعدها إلى يوم القيامة . لقد تأذن الله بهذا الأمر الدائم إلى يوم القيامة - كما أخبر الله نبيه في قرآنه - معقباً على هذا الأمر بتقرير صفة الله سبحانه في العذاب والرحمة:

(إن ربك لسريع العقاب , وإنه لغفور رحيم). .

فهو بسرعة عقابه يأخذ الذين حقت عليهم كلمته بالعذاب - كما أخذ القرية التي كانت حاضرة البحر - وهو بمغفرته ورحمته يقبل التوبة ممن يثوب من بني إسرائيل , ممن يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم , في التوراة والإنجيل . . فليس عذابه - سبحانه - عن نقمة ولا إحنة . إنما هو الجزاء العادل لمن يستحقونه , ووراءه المغفرة والرحمة . .

الدرس الثاني عشر:168 - 170 التمرد والمخالفة في الأجيال الإسرائيلية اللاحقة

ثم تمضي خطوات القصة مع خطوات التاريخ , من بعد موسى وخلفائه , مع الأجيال التالية في بني إسرائيل إلى الجيل الذي كان يواجه الرسول [ ص ] والجماعة المسلمة في المدينة:

وقطعناهم في الأرض أمماً . . منهم الصالحون ومنهم دون ذلك . . وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون . فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب , يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون:سيغفر لنا . وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه . ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق , ودرسوا ما فيه , والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ! والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة , إنا لا نضيع أجر المصلحين . .

وهذه بقية الآيات المدنية الواردة في هذا السياق تكملة لقصة بني إسرائيل من بعد موسى . . ذلك حين تفرق اليهود في الأرض ; جماعات مختلفة المذاهب والتصورات , مختلفة المشارب والمسالك . فكان منهم الصالحون وكان منهم من هم دون الصلاح . وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات . تارة بالنعماء وتارة بالبأساء لعلهم يرجعون إلى ربهم , ويثوبون إلى رشدهم , ويستقيمون على طريقهم:

(وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون). .

والمتابعة بالابتلاء رحمة من الله بالعباد , وتذكير دائم لهم , ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار . .

(فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى , ويقولون:سيغفر لنا . وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه). .

وصفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى:أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه . . ولكنهم لم يتكيفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم . . شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تدرس وعلم يحفظ . . وكلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه , ثم تأولوا وقالوا: (سيغفر لنا). . وهكذا كلما عرض لهم من أعراض الدنيا جديد تهافتوا عليه من جديد !

ويسأل سؤال استنكار:

ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ? ودرسوا ما فيه ? .

ألم يؤخذ عليهم ميثاق الله في الكتاب ألا يتأولوا ولا يحتالوا على النصوص , وألا يخبروا عن الله إلا بالحق . . فما بالهم يقولون: (سيغفر لنا)ويتهافتون على أعراض الحياة الدنيا ? ويبررون لأنفسهم هذا بالتقول على الله وتأكيد غفرانه لهم , وهم يعلمون أن الله إنما يغفر لمن يتوبون حقاً ; ويقلعون عن المعصية فعلاً ; وليس هذا حالهم , فهم يعودون كلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا ! وهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه ! بلى ! ولكن الدراسة لا تجدي مالم تخالط القلوب . وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد . إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا , ويحرفوا الكلم عن مواضعه , ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا . . وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة ; ولا يأخذونه عقيدة يتقون الله ولا يرهبونه ?!

(والدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ?).

نعم ! إنها الدار الآخرة ! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة , وهو وحده الذي يعصم من فتنة العرض الأدنى القريب في هذه الدنيا . . نعم إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها ; ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها . . وإلا فما الذي يعدل في النفس البشرية الرغبة الملحة في حيازة كل عرض يلوح لها من أعراض هذه الأرض ? وما الذي يحجزها عن الطمع ويكفها عن البغي ? وما الذي يهدىء فيها هياج الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع ? وما الذي يطمئنها في صراع الحياة الدنيا على النصيب الذي لا يضيع بفوات الحياة الدنيا ? وما الذي يثبتها في المعركة بين الحق والباطل , وبين الخير والشر , وأعراض الأرض تفر من بين يديها وتنأى ? والشر يتبجح والباطل يطغى ?

لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى ; إلا اليقين في الآخرة , وأنها خير للذين يتقون , ويعفون , ويترفعون , ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن , ويمضون في الطريق لا يتلفتون . . مطمئنين واثقين , ملء قلوبهم اليقين . .

وهذه الدار الآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة "الاشتراكية العلمية " أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا ; ويحلوا محله تصوراً كافراً جاهلاً مطموساً يسمونه:"العلمية " . .

ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد الحياة , وتفسد النفوس ; وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلاَّ ذلك اليقين . . ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان . وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال . .

إن "العلمية " التي تناقض "الغيبية " جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر . جهالة يرجع عنها "العلم البشري" ذاته , ولا يبقى يرددها في القرن العشرين إلا الجهال ! جهالة تناقض فطرة "الإنسان" ومن ثم تفسد "الحياة " ذلك الإفساد الذي يهدد البشرية بالدمار ! ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها , ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف ! والذي تردده الببغاوات هنا وهناك , بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكفلتها في أنحاء الأرض تمضي عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك !

ولأن قضية الآخرة , وقضية التقوى قضيتان أساسيتان في العقيدة وفي الحياة , يحيل السياق القرآني المخاطبين الذين يتهافتون على عرض هذا الأدنى . . عرض الحياة الدنيا . . إلى العقل:

(والدار الآخرة خير للذين يتقون . . أفلا تعقلون ?). .

ولو كان العقل هو الذي يحكم لا الهوى . . ولو كان العلم الحق لا الجهالة التي تسمى العلم هوالذي يقضي . . لكانت الدار الآخرة خيراً من عرض هذا الأدنى . ولكانت التقوى زاداً للدين والدنيا جميعاً:

(والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة , إنا لا نضيع أجر المصلحين).

وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا مافيه ; ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه , ولا يعملون به , ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ; ولا في سلوكهم وحياتهم . . غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة , تعطي مدلولها كاملاً , لكل جيل ولكل حالة .

إن الصيغة اللفظية:(يمسكون). . تصور مدلولاً يكاد يحس ويرى . . إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة . . الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه . . في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت . . فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر . . إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون "الواقع" هو الحكم في شريعة الله ! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله !

والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة ; وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة . . والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيناً . إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة , مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس . فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس , ولا تصلح بسواه . . والإشارة إلى الإصلاح في الآية:

(إنا لا نضيع أجر المصلحين). .

يشير إلى هذه الحقيقة . . حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملاً , وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين .

وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني . . ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس ; وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص , كالذي كان يصنعه أهل الكتاب ; وكالذي يصنعه أهل كل كتاب , حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله . .

إنه منهج متكامل . يقيم الحكم على أساس الكتاب ; ويقيم القلب على أساس العبادة . . ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب ; فتصلح القلوب , وتصلح الحياة .

إنه منهج الله , لا يعدل عنه ولا يستبدل به منهجاً آخر , إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب !

الثالث عشر:171 اشارة الى رفع الجبل فوق بني إسرائيل

وفي ختام حلقات القصة في هذه السورة يذكر كيف كان الله قد أخذ على بني إسرائيل الميثاق:

(وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة , وظنوا أنه واقع بهم . خذوا ما آتيناكم بقوة , واذكروا ما فيه لعلكم تتقون).

إنه ميثاق لا ينسى . . فقد أخذ في ظرف لاينسى ! أخذ وقد نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة , وظنوا أنه واقع بهم ! ولقد كانوا متقاعسين يومها عن إعطاء الميثاق ; فأعطوه في ظل خارقة هائلة كانت جديرة بأن تعصمهم بعد ذلك من الانتكاس . ولقد أمروا في ظل تلك الخارقة القوية أن يأخذوا ميثاقهم بقوة وجدية , وأن يستمسكوا به في شدة وصرامة , وألا يتخاذلوا ولا يتهاونوا ولا يتراجعوا في ميثاقهم الوثيق . وأن يظلوا ذاكرين لما فيه , لعل قلوبهم تخشع وتتقي . وتظل موصولة بالله لا تنساه !

ولكن إسرائيل هي إسرائيل ! نقضت الميثاق , ونسيت الله , ولجت في المعصية , حتى استحقت غضب الله ولعنته . وحق عليها القول , بعدما اختارها الله على العالمين في زمانها , وأفاء عليها من عطاياه . فلم تشكر النعمة , ولم ترع العهد , ولم تذكر الميثاق . . وما ربك بظلام للعبيد . .

الوحدة العاشرة:172 - 198 الموضوع:تقرير حقائق إعتقادية حول الوحدانية وتفنيد شبهات الشرك مقدمة الوحدة هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك . . بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية , متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد , والتحذير من عاقبة الشرك ; ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير .

فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة , وزاوية عميقة . . تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ; وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم , وذات تكوينهم ; وهم بعد في عالم الذر ! . . إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري . فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته , وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة . أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ; فيحتاجون إلى التذكير والتحذير . . إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى , فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ; وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ; وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !

ومن هذه الزاوية , التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس , يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى .

منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل . . ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان , إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ . كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى , فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم , فلا ينتفع به شيئاً , ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً . بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان , الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !

ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك . . ممثلة في زوجين من البشر , يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ? وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما , ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين . . ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما , فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !

ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية , حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام , ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق . . فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها , وتكون لهم أعين لا يبصرون بها , وتكون لهم آذان لا يسمعون بها . . ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !

ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة , وإيقاظها للتدبر والتفكر , وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء , ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت , ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى , فيرميه الضالون بالجنون !

ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة , وهي مجردة من خصائص الألوهية , بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم , وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم , والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره: (الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين). .

ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع . فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر . في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !

الدرس الأول:172 عهد الله على المخلوقين قبل إيجادهم

(وإذ أخذ ربك من بني آدم - من ظهورهم - ذريتهم , وأشهدهم على أنفسهم:ألست بربكم ? قالوا:بلى شهدنا ! أن تقولوا يوم القيامة:إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا:إنما أشرك آباؤنا من قبل . وكنا ذرية من بعدهم . أفتهلكنا بما فعل المبطلون ? . . وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون). .

إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة - وإنه لمشهد فريد . . مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق , المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود , تؤخذ في قبضة الخالق المربي , فيسألها: (ألست بربكم ?). . فتعترف له - سبحانه - بالربوبية ; وتقر له - سبحانه - بالعبودية ; وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية ; وهي منثورة كالذر ; مجموعة في قبضة الخالق العظيم !

إنه مشهد كوني رائع باهر , لا تعرف اللغة له نظيراً في تصوراتها المأثورة ! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته ! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى , وهي تجمع وتقبض . وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء , فتعترف وتقر وتشهد ; ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب !

وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد . وهو يتمثل الذر السابح . وفي كل خلية حياة . وفي كل خلية استعداد كامن . وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول , ويقطع على نفسه العهد والميثاق , قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم !

لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد , لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود . . عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرناً من الزمان , حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام ! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة . فإذا "العلم" يقرر أن الناسلات , وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل "الإنسان" وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب . . أن هذه الناسلات

السابق - التالي


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca