|
في ظلال القرآن
الكريم
الأعراف من الاية 172 الى الاية 172 وَإöذْ أَخَذَ رَبُّكَ مöن بَنöي آدَمَ مöن ظُهُورöهöمْ ذُرّöيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسöهöمْ أَلَسْتَ بöرَبّöكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهöدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقöيَامَةö إöنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافöلöينَ (172)
التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر , وتكمن فيها خصائصهم كلها , لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب , أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة ! . . كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال ! وصدق الله العظيم: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). . أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال:" مسح ربك ظهر آدم , فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة . . . فأخذ مواثيقهم , وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم ? قالوا:بلى)" . . وروي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عباس . وقال ابن كثير:إن الموقوف أكثر وأثبت . . فأما كيف كان هذا المشهد ? وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ? وكيف خاطبهم: (ألست بربكم)وكيف أجابوا: (بلى شهدنا)? . . فالجواب عليه:أن كيفيات فعل الله - سبحانه - غيب كذاته . ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال الله ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات الله . إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية . وكل فعل ينسب لله سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان . . .). . (ثم استوى على العرش). . (يمحو الله ما يشاء ويثبت). . (والسماوات مطويات بيمينه). .(وجاء ربك والملك صفاً صفاً). . (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم). . . إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل الله سبحانه , لا مناص من التسليم بوقوعه , دون محاولة إدراك كيفيته . . إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا . . والله ليس كمثله شيء . فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله . إذ أنه . لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء , ما دام أن ليس كمثله شيء . . وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه , هي محاولة مضللة , لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه . وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه . . وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال الله , وخلطوا خلطاً شديداً ! على أن هناك تفسيرا لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة . . فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده . أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه , حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها , ويميل بها عن فطرتها . قال ابن كثير في التفسير:قال قائلون من السلف والخلف:إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد - كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر الحسن الآية بذلك . قالوا:ولهذا قال: (وإذ أخذ ربك من بني آدم)ولم يقل:من آدم . . (من ظهورهم). . ولم يقل من ظهره . .(ذرياتهم)أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل , وقرناً بعد قرن , كقوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلفاء الأرض . . وقال: (ويجعلكم خلفاء الأرض). . وقال: (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين). . ثم قال: (وأشهدهم على أنفسهم:ألست بربكم ? قالوا:بلى !)أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له . . حالاً . . وقالوا:والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: (قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). . وتارة تكون حالاً كقوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر). . أي حالهم شاهد عليهم بذلك , لا أنهم قائلون ذلك . . وكذلك قوله تعالى:(وإنه على ذلك لشهيد). . كما أن السؤال تارة يكون بالمقال وتارة يكون بالحال . كقوله: (وآتاكم من كل ما سألتموه). . قالوا:ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك . فلو كان قد وقع هذا , كما قال من قال , لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه . فإن قيل:إخبار الرسول [ ص ] به كاف في وجوده , فالجواب:أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره . وهذا جعل حجة عليهم , فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد . ولهذا قال: (أن تقولوا). . أي لئلا تقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا). أي التوحيد . . (غافلين , أو تقولوا:إنما أشرك آباؤنا). . . [ الآية ] . أما الأحاديث التي أشار إليها في أول هذه الفقرة فهي:في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله [ ص ] . " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية . " على هذه الملة " - فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه , كما تولد بهيمة جمعاء , هل تحسون فيها من جدعاء ? " . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال:قال رسول الله - [ ص ]:" يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء , فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم , وحرمت عليهم ما أحللت لهم " . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - حدثنا يونس بن عبد الأعلى , حدثنا ابن وهب , أخبرني السري بن يحيى , أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال:غزوت مع رسول الله [ ص ] أربع غزوات , قال:فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة , فبلغ ذلك رسول الله [ ص ] فاشتد عليه , ثم قال:" ما بال أقوام يتناولون الذرية ? " . فقال رجل:يا رسول الله . أليسوا أبناء المشركين ? فقال:" إن خياركم أبناء المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة , فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها , فأبواها يهودانها وينصرانها " . . قال الحسن:لقد قال في كتابه: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم). . . الآية . ونحن لا نستبعد أن يكون قول الله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم . . الآيات على وجهه لا على سبيل الحال . لأنه في تصورنا يقع كما أخبر عنه الله سبحانه . وليس هناك ما يمنع أن يقع حين يشاؤه . . ولكنا كذلك لا نستبعد هذا التأويل الذي اختاره ابن كثير , وذكره الحسن البصري واستشهد له بالآية . . والله أعلم أي ذلك كان . . وفي أي من الحالين يخلص لنا أن هناك عهداً من الله على فطرة البشر أن توحده . وأن حقيقة التوحيد مركوزة في هذه الفطرة ; يخرج بها كل مولود إلى الوجود ; فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها ! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلال . وهو استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز الوجود ملابسات وظروف . إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة "الإنسان" وحده ; ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله . موصولة به غير منقطعة عنه , محكومة بذات الناموس الذي يحكمه - بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة . . السابق - التالي
|