|
في ظلال القرآن
الكريم
الأعراف من الاية 176 الى الاية 178 وَلَوْ شöئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بöهَا وَلَِكöنَّهُ أَخْلَدَ إöلَى الأَرْضö وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلö الْكَلْبö إöن تَحْمöلْ عَلَيْهö يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلöكَ مَثَلُ الْقَوْمö الَّذöينَ كَذَّبُواْ بöآيَاتöنَا فَاقْصُصö الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذöينَ كَذَّبُواْ بöآيَاتöنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلöمُونَ (177) مَن يَهْدö اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدöي وَمَن يُضْلöلْ فَأُوْلَِئöكَ هُمُ الْخَاسöرُونَ (178)
في انفعال وانبهار وتأثر . . فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها . . مشهد اللهاث الذي لا ينقطع . . سمع التعليق المرهوب الموحي , على المشهد كله:(ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون). . ذلك مثلهم ! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم . ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً . ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان , هابطون عن مكان "الإنسان" إلى مكان الحيوان . . مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين . . وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين ; وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم , فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين ! (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون !). . وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً ? وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى ? وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى ? وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا ? من يعريها من الغطاء الواقي والدرع الحامي , ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها , ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض , الحائر القلق , اللاهث لهاث الكلب أبداً !!! وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد ; إلا هذا القرآن العجيب الفريد !! وبعد . . فهل هو نبأ يتلى ? أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لأنه يقع كثيراً . فهو من هذا الجانب خبر يروى ? تذكر بعض الروايات أنه نبأ رجل كان صالحاً في فلسطين - قبل دخول بني إسرائيل - وتروي بالتفصيل الطويل قصة انحرافه وانهياره ; على نحو لا يأمن الذي تمرس بالإسرائيليات الكثيرة المدسوسة في كتب التفاسير , أن يكون واحدة منها ; ولا يطمئن على الأقل لكل تفصيلاته التي ورد فيها ; ثم إن في هذه الروايات من الاختلاف والاضطراب ما يدعو إلى زيادة الحذر . . فقد روي أن الرجل من بني إسرائيل [ بلعام بن باعوراء ] , وروي أنه كان من أهل فلسطين الجبابرة . وروي أنه كان من العرب [ أمية بن الصلت ] . وروي أنه كان من المعاصرين لبعثة الرسول [ ص ] [ أبو عامر الفاسق ] وروي أنه كان معاصراً لموسى عليه السلام . وروي أنه كان بعده على عهد يوشع بن نون الذي حارب الجبارين ببني إسرائيل بعد تيه الأربعين سنة على إثر رفض بني إسرائيل الدخول , وقولهم لموسى - عليه السلام - ما حكاه القرآن الكريم: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . . كذلك روي في تفسير الآيات التي أعطيها أنه كان [ اسم الله العظيم ] الذي يدعو به فيجاب ; كما روي أنه كتاب منزل وأنه كان نبياً . . ثم اختلفت تفصيلات النبأ بعد ذلك اختلافات شتى . . لذلك رأينا - على منهجنا في ظلال القرآن - ألا ندخل في شيء من هذا كله . بما أنه ليس في النص القرآني منه شيء . ولم يرد من المرفوع إلى رسول الله [ ص ] عنه شيء . وأن نأخذ من النبأ ما وراءه . فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها . . وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر ; ما أكثر الذين يعطون علم دين الله , ثم لا يهتدون به , إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه . واتباع الهوى به . . هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم - في وهمهم - عرض الحياة الدنيا . وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها . ويعلن غيرها . ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة , والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل ! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعاً ! لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول:إن التشريع حق من حقوق الله - سبحانه - من ادعاه فقد ادعى الألوهية . ومن ادعى الألوهية فقد كفر . ومن أقر له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضاً ! . . ومع ذلك . . مع علمه بهذه الحقيقة , التي يعلمها من الدين بالضرورة , فإنه يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع , ويدّعون الألوهية بادعاء هذا الحق . . ممن حكم عليهم هو بالكفر ! ويسميهم "المسلمين" ! ويسمي ما يزاولونه إسلاما لا إسلام بعده ! . . ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ; ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر . . ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس , ويخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه . . فماذا يكون هذا إلا أن يكون مصداقاً لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ? وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحب النبأ: (ولو شئنا لرفعناه بها , ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه . فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث !). . ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته . ولكنه - سبحانه - لم يشأ , لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه , ولم يتبع الآيات . . إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله ; فلم ينتفع بهذا العلم ; ولم يستقم على طريق الإيمان . وانسلخ من نعمة الله . ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان . ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان ! ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع ? إنه - في حسنا كما توحيه إيقاعات النبأ وتصوير مشاهده في القرآن - ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها . ذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبداً . والذي لا يتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه ; فهو منطلق فيه أبداً ! والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة . . حتى إنه لتمر فترات كثيرة , وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله . فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله , ممن لا ينسلخون من آيات الله , ولا يخلدون إلى الأرض ; ولا يتبعون الهوى ; ولا يستذلهم الشيطان ; ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان ! . . فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده ; وما هو بمحصور في قصة وقعت , في جيل من الزمان ! وقد أمر الله رسوله [ ص ] أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله , كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها . ثم ليبقى من بعده ومن بعدهم يتلى , ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئاً أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة ; وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبداً ; وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدو لعدو . فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة ! ولقد رأينا من هؤلاء - والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه ; أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة ! فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم ! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا ! اللهم اعصمنا , وثبت أقدامنا , وأفرغ علينا صبراً , وتوفنا مسلمين . . ثم نقف أمام هذا النبأ والتعبير القرآني عنه وقفة أخرى . . إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته ورغباته فيخلد إلى الأرض لا ينطلق من ثقلتها وجاذبيتها ; وأن يتبع هواه فيتبعه الشيطان ويلزمه ويقوده من خطام هذا الهوى . . ومن أجل أن العلم لا يعصم يجعل المنهج القرآني طريقه لتكوين النفوس المسلمة والحياة الإسلامية , ليس العلم وحده لمجرد المعرفة ; ولكن يجعل العلم عقيدة حارة دافعة متحركة لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وفي عالم الحياة أيضاً . . إن المنهج القرآني لا يقدم العقيدة في صورة "نظرية " للدراسة . . فهذا مجرد علم لا ينشىء في عالم الضمير ولا في عالم الحياة شيئاً . . إنه علم بارد لا يعصم من الهوى , ولا يرفع من ثقلة الشهوات شيئاً . ولا يدفع الشيطان بل ربما ذلل له الطريق وعبدها ! كذلك هو لا يقدم هذا الدين دراسات في "النظام الإسلامي" ولا في "الفقه الإسلامي" ولا في "الاقتصاد الإسلامي" ولا في "العلوم الكونية " ولا في "العلوم النفسية " ولا في أية صورة من صور الدراسة المعرفية ! إنما يقدم هذا الدين عقيدة دافعة دافقة محيية موقظة رافعة مستعلية ; تدفع إلى الحركة لتحقيق مدلولها العملي فور استقرارها في القلب والعقل ; وتحيي موات القلب فينبض ويتحرك ويتطلع ; وتوقظ أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة فترجع إلى عهد الله الأول ; وترفع الاهتمامات والغايات فلا تثقلها جاذبية الطين ولا تخلد إلى الأرض أبداً . ويقدمه منهجاً للنظر والتدبر ; يتميز ويتفرد دون مناهج البشر في النظر , لأنه إنما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم وأخطائها وانحرافها تحت لعب الأهواء , وثقلة الأبدان , وإغواء الشيطان ! ويقدمه ميزانا للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم , وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم وتصوراتهم ; فما قبله منها هذا الميزان كان صحيحاً لتمضي فيه ; وما رفضه هذا الميزان كان خاطئا يجب الإقلاع عنه . ويقدمه منهجا للحركة يقود البشرية خطوة خطوة في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة . وفق خطاه هو ووفق تقديراته . . وفي أثناء الحركة الواقعية يصوغ للناس نظام حياتهم , وأصول شريعتهم , وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم . ثم يصوغ الناس بعقولهم المنضبطة به تشريعاتهم القانونية الفقهية , وعلومهم الكونية والنفسية , وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية . . يصوغونها وفي نفوسهم حرارة العقيدة ودفعتها , وجدية الشريعة وواقعيتها ; واحتياجات الحياة الواقعية وتوجيهاتها . هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة والحياة الإسلامية . . أما الدراسة النظرية لمجرد الدراسة , فهذا هو العلم الذي لا يعصم من ثقلة الأرض ودفعة الهوى وإغواء الشيطان ; ولا يقدم للحياة البشرية خيرا ! ويقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب على ذلك المثل الشاخص في ذلك المشهد , للذي آتاه الله آياته فانسلخ منها , بأن الهدى هدى الله . فمن هداه الله فهو المهتدي حقاً ; ومن أضله الله فهو الخاسر الذي لا يربح شيئاً: (من يهد الله فهو المهتدي , ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون). . والله سبحانه يهدي من يجاهد ليهتدي , كما قال تعالى في السورة الأخرى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). . وكما قال: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). . وكما قال:(ونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها , وقد خاب من دساها). . كذلك يضل الله من يبغي الضلال لنفسه ويعرض عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان , ويغلق قلبه وسمعه وبصره دونها . وذلك كما جاء في الآية التالية في السياق:(ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس , لهم قلوب لا يفقهون بها , ولهم أعين لا يبصرون بها , ولهم آذان لا يسمعون بها , أولئك كالأنعام بل هم أضل , أولئك هم الغافلون). . وكما قال تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً). . وكما قال: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم , ولا ليهديهم طريقاً , إلا طريق جهنم خالدين فيها . . .) ومن مراجعة مجموعة النصوص التي تذكر الهدى والضلال , والتنسيق بين مدلولاتها جميعاً يخلص لنا طريق واحد بعيد عن ذلك الجدل الذي أثاره المتكلمون من الفرق الإسلامية , والذي أثاره اللاهوت المسيحي والفلسفات المتعددة حول قضية القضاء والقدر عموماً . . إن مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني , هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال . . وذلك مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية الواحدة والاتجاه إليها . ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى . ومع إرسال الرسل بالبينات لإيقاظ الفطرة إذا تعطلت وهداية العقل إذا ضل . . ولكن يبقى بعد ذلك كله ذلك الاستعداد المزدوج للهدى والضلال الذي خلق الإنسان به , وفق مشيئة الله التي جرى بها قدره . كذلك اقتضت هذه المشيئة أن يجري قدر اللّه بهداية من يجاهد للهدى . وأن يجري قدر اللّه كذلك بإضلال من لا يستخدم ما أودعه اللّه من عقل وما أعطاه من أجهزه الرؤية والسمع في إدراك الآيات المبثوثة في صفحات الكون , وفي رسالات الرسل , الموحية بالهدى . وفي كل الحالات تتحقق مشيئة اللّه ولا يتحقق سواها , ويقع ما يقع بقدر اللّه لا بقوة سواه . وما كان الأمر ليكون هكذا إلا أن اللّه شاءه هكذا . وما كان شيء ليقع إلا أن يوقعه قدر اللّه . فليس في هذا الوجود مشيئة أخرى تجري وفقها الأمور , كما أنه ليس هناك قوة إلا قدر اللّه ينشىء الأحداث . . وفي إطار هذه الحقيقة الكبيرة يتحرك الإنسان بنفسه , ويقع له ما يقع من الهدى والضلال أيضاً . . وهذا هو التصور الإسلامي الذي تنشئه مجموعة النصوص القرآنية مقارنة متناسقة , حين لا تؤخذ فرادى وفق أهواء الفرق والنحل , وحين لا يوضع بعضها في مواجهة البعض الآخر , على سبيل الاحتجاج والجدل ! وفي هذا النص الذي يواجهنا هنا: (من يهد اللّه فهو المهتدي , ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون). السابق - التالي
|