العالمية ; والتي تسخر لها الأجهزة والتشكيلات الدولية ; والتي تكفل من أجلها أوضاع ما كانت لتبقى يوماً واحداً لولا هذه الكفالة العالمية ! ولكن طبيعة هذا الدين الواضحة الصلبة ما تزال صامدة لهذه المعركة الضارية . والأمة المسلمة القائمة على هذا الحق - على قلة العدد وضعف العدة - ما تزال صامدة لعمليات السحق الوحشية . . والله غالب على أمره .
(والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون , وأملي لهم إن كيدي متين). .
وهذه هي القوة التي لا يحسبون حسابها وهم يشنون هذه المعركة الضارية ضد هذا الدين وضد الأمة المستمسكة به الملتقية عليه المتجمعة على آصرته . . هذه هي القوة التي يغفلها المكذبون بآيات الله . . إنهم لا يتصورون أبداً أنه استدراج الله لهم من حيث لا يعلمون . ولا يحسبون أنه إملاء الله لهم إلى حين . . فهم لا يؤمنون بأن كيد الله متين ! . . إنهم يتولى بعضهم بعضاً ويرون قوة أوليائهم ظاهرة في الأرض فينسون القوة الكبرى ! . . إنها سنة الله مع المكذبين . . يرخى لهم العنان , ويملى لهم في العصيان والطغيان , استدراجاً لهم في طريق الهلكة , وإمعاناً في الكيد لهم والتدبير . ومن الذي يكيد ? إنه الجبار ذو القوة المتين ! ولكنهم غافلون ! والعاقبة للمتقين . الذين يهدون بالحق وبه يعدلون . .
الدرس السادس:184 - 185 دعوة للتفكير للإيمان بالله والرسول
ولقد كان القرآن يواجه بذلك التهديد الرعيب قوماً من المكذبين بآيات الله في مكة - والنص القرآني دائماً أبعد مدى من المناسبة الخاصة - وكان يتوعدهم على موقفهم من الجماعة المسلمة - التي يسميها أمة وفق المصطلح الإسلامي - بالإملاء لهم والاستدراج والكيد المتين . . ثم كان يدعوهم - بعد هذا التهديد - إلى استخدام قلوبهم وعيونهم وآذانهم . فلا يكونوا من ذرء جهنم ولا يكونوا من الغافلين . . كان يدعوهم إلى التدبر في أمر رسولهم الذي يدعوهم إلى الحق ويهديهم به ; وإلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وآيات الله المبثوثة في هذا الملكوت ; وكان يوقظهم إلى مرور الوقت وما يؤذن به من اقتراب الأجل المجهول , وهم غافلون:
أو لم يتفكروا ? ما بصاحبهم من جنة , إن هو إلا نذير مبين . أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ? وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ? فبأي حديث بعده يؤمنون ? . .
إن القرآن يهزهم من غفوتهم , ويوقظهم من غفلتهم , ويستنقذ - من تحت الركام - فطرتهم وعقولهم ومشاعرهم . . إنه يخاطب كينونتهم البشرية كلها , بكل ما فيها من أجهزة الاستقبال والاستجابة . . إنه لا يوجه إليهم جدلاً ذهنيا باردا ; إنما هو يستنقذ كينونتهم كلها وينفضها من أعماقها:
أو لم يتفكروا ? ما بصاحبهم من جنة , إن هو إلا نذير مبين . .
لقد كانوا يقولون عن الرسول [ ص ] في حرب الدعاية التي يشنها ضده الملأ من قريش يخدعون بها الجماهير:إن محمداً به جنة . وهو من ثم ينطق بهذا الكلام الغريب , غير المعهود في أساليب البشر العاديين !
ولقد كان الملأ من قريش يعلمون أنهم كاذبون ! وقد تضافرت الروايات على أنهم كانوا يعرفون الحق في أمر رسول الله [ ص ] وأنهم ما كانوا يملكون أن يمنعوا أنفسهم عن الاستماع لهذا القرآن والتأثر به أعمق التأثر . . وقصة الأخنس بن شريق , وأبي سفيان بن حرب , وعمرو بن هشام - أبي جهل - في الاستماع لهذا القرآن خلسة , ليالي ثلاثاً , وما وجدوه في أنفسهم منه معروفة . . وكذلك قصة عتبة بن