ربيعة وسماعه سورة فصلت من النبي [ ص ] وهزته أمام إيقاعاتها المزلزلة . . ومثلها قصة تآمرهم قبيل موسم الحج فيما يقولون للناس عن النبي [ ص ] وما معه من القرآن ; وانتهاء الوليد بن المغيرة إلى أن يقولوا للوفود:إنه سحر يؤثر . . كل هذه الروايات تثبت أنهم ما كانوا جاهلين لحقيقة هذا الأمر ; إنما هم كانوا يستكبرون عنه ; ويخشونه على سلطانهم الذي تهدده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ; التي تسلب البشر حق تعبيد البشر لغير الله . . وتهدد كل طاغوت بشري علي العموم ! من ثم كانوا يستغلون تفرد هذا القرآن العجيب وتميزه عن قول البشر المعهود ; كما يستغلون الصورة التي كانت معهودة فيهم وفيمن قبلهم , عن الصلة بين التنبؤ والجنون ! والنطق بكلمات ورموز يؤولها المصاحبون لمن بهم جنة وفق ما يريدون ; ويزعمون أنها تأتيهم من عالم غير منظور ! . . كانوا يستغلون هذه الرواسب في التمويه على الجماهير بأن الذي يقوله محمد , إنما يقوله عن جنة به ; وأنه يأتي بالغريب العجيب من القول , لأنه مجنون !
والقرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم الذي عرفوه من قبل وخبروه . فلم يعرفوا عنه من قبل خللاًعن السواء ; وشهدوا له بالأمانة والصدق , كما شهدوا له بالحكمة ; وحكموه في الحجر الأسود وارتضوا حكمه واتقوا بهذا الحكم فتنة بينهم كادت تثور . واستأمنوه على ودائعهم وظلت عنده حتى خرج مهاجراً فردها لهم عنه ابن عمه علي كرم الله وجهه !
القرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم هذا المعروف لهم ماضيه كله , المكشوف لهم أمره كله . . أفهذا به جنة ? . . أفهذا قول مجنون وفعل مجنون ? . . كلا:
(ما بصاحبهم من جنة . . إن هو إلا نذير مبين). .
لا اختلاط في عقله ولا في قوله . إنما هو منذر مفصح مبين . لا يلتبس قوله بقول المجانين , ولا تشتبه حاله بحال المجانين .
ثم . . (أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ?). .
وهي هزة أخرى أمام هذا الكون العجيب . . والنظر بالقلب المفتوح والعين المبصرة في هذا الملكوت الواسع الهائل العظيم , يكفي وحده لانتفاض الفطرة من تحت الركام ; وتفتح الكينونة البشرية لإدراك الحق الكامن فيه , والإبداع الذي يشهد به , والإعجاز الذي يدل على البارىء الواحد القدير . . والنظر إلى ما خلق الله من شيء - وكم في ملكوت السماوات والأرض من شيء - يدهش القلب ويحير الفكر , ويلجىء العقل إلى البحث عن مصدر هذا كله , وعن الإرادة التي أوجدت هذا الخلق على هذا النظام المقصود المشهور .
لماذا كانت الخلائق على هذا النحو الذي كانت به ; ولم تكن على أي نحو آخر من الإمكانيات التي لا حصر لها في الكينونة ? لماذا سارت في هذا الطريق ولم تسر في أي طريق آخر من الطرق الممكنة الأخرى ? لماذا استقامت على طريقها هذا ومن الذي يمسكها على نشأتها ? ما سر هذه الوحدة السارية في طبيعتها إن لم يكن هذا هو الناموس الواحد , الصادر عن الإرادة الواحدة , التي يجري بها قدر مطرد مقصود ?