وما أجدر الذين يحاولون أداء ما أداه ذلك الجيل أن ينهجوا نهجه , فيعيشوا بهذا القرآن ولهذا القرآن فترة طويلة من الزمان , لا يخالط عقولهم وقلوبهم غيره من كلام البشر ليكونوا كما كان !
الدرس التاسع:189
ثم جولة جديدة في قضية التوحيد . تأخذ في أولها صورة القصة , لتصوير خطوات الإنحراف من التوحيد إلى الشرك في النفس . وكأنما هي قصة انحراف هؤلاء المشركين عن دين أبيهم إبراهيم . . ثم تنتهي إلى مواجهتهم بالسخف الذي يزاولونه في عبادة آلهتهم التي كانوا يشركون بها , وهي ظاهرة البطلان لأول نظرة ولأول تفكير . وتختم بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم هم وهؤلاء الآلهة التي يعبدونها من دون الله , وأن يعلن التجاءه إلى الله وحده , وليه وناصره:
الدرس التاسع:189 - 195 خطوات الإنحراف من التوحيد إلى الشرك في النفس
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة , وجعل منها زوجها ليسكن إليها , فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به , فلما أثقلت دعوا الله ربهما:لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين . فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما . فتعالى الله عما يشركون ! أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ? ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون ?)
(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم , سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون . إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم , فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين . ألهم أرجل يمشون بها ? أم لهم أيد يبطشون بها ? أم لهم أعين يبصرون بها ? أم لهم آذان يسمعون بها ? قل:ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين . والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون . وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). .
إنها جولة مع الجاهلية في تصوراتها التي متى انحرفت عن العبودية لله الواحد لم تقف عند حد من السخف والضلال ; ولم ترجع إلى تدبر ولا تفكير ! وتصوير لخطوات الانحراف في مدارجه الأولى ; وكيف ينتهي إلى ذلك الضلال البعيد !
الدرس التاسع:189 -195 تفيد اشراك الزوجين وغيرهما من المشركين
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة , وجعل منها زوجها ليسكن إليها . فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به , فلما أثقلت دعوا الله ربهما:لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين). .
إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها . . أن يتوجهوا إلى الله ربهم , معترفين له بالربوبية الخالصة , عند الخوف وعند الطمع . . والمثل المضروب هنا للفطرة يبدأ من أصل الخليقة , وتركيب الزوجية وطبيعتها:
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة , وجعل منها زوجها ليسكن إليها). .
فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها , وإن اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى . وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجه ويستريح إليها . . وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان . ووظيفة الزوجية في تكوينه . وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرناً . يوم أن كانت الديانات المحرفة تعد المرأة أصل البلاء الإنساني , وتعتبرها لعنة ونجساً وفخاً للغواية تحذر منه تحذيراً شديداً , ويوم أن كانت الوثنيات - ولا تزال - تعدها من سقط المتاع أو على الأكثر خادماً أدنى مرتبة من الرجل ولا حساب له في ذاته على الإطلاق .
والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار . ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب , وينتج فيه المحصول البشري الثمين , ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه . ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة . كما أنه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً , وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف , أو تكراراً للاختصاصات والوظائف ; كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء !
وبعد ذلك تبدأ القصة . . تبدأ من المرحلة الأولى . .
فلما تغشاها حملت حملاًخفيفا فمرت به . .
والتعبير القرآني يلطف ويدق ويشف عند تصوير العلاقة الأولية بين الزوجين . . (فلما تغشاها). . تنسيقاً لصورة المباشرة مع جو السكن ; وترقيقاً لحاشية الفعل حتى ليبدو امتزاج طائفين لا التقاء جسدين . إيحاء "للإنسان" بالصورة "الإنسانية " في المباشرة . وافتراقها عن الصورة الحيوانية الغليظة ! . . كذلك تصوير الحمل في أول أمره . .(خفيفاً). . تمر به الأم بلا ثقلة كأنها لا تحسه .
ثم تأتي المرحلة الثانية:
(فلما أثقلت دعوا الله ربهما:لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين). .
لقد تبين الحمل , وتعلقت به قلوب الزوجين , وجاء دور الطمع في أن يكون المولود سليماً صحيحاً صبوحاً . . إلى آخر ما يطمع الآباء والأمهات أن تكون عليه ذريتهم , وهي أجنة في ظلام البطون وظلام الغيوب . . وعند الطمع تستيقظ الفطرة , فتتوجه إلى الله , تعترف له بالربوبية وحده , وتطمع في فضله وحده , لإحساسها اللدني بمصدر القوة والنعمة والإفضال الوحيد في هذا الوجود . لذلك (دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين). .
(فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما . فتعالى الله عما يشركون !). .
إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء . . إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين . فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها "عبد الحارث" . . والحارث اسم لإبليس . ليولد صحيحاً ويعيش ; ففعلت وأغرت آدم معها ! وظاهر ما في هذه الرواية من طابع إسرائيلي . . ذلك أن التصور الإسرائيلي المسيحي - كما حرفوا ديانتهم - هو الذي يلقي عبء الغواية على حواء , وهو مخالف تماماً للتصور الإسلامي الصحيح .
ولا حاجة بنا إلى هذه الإسرائيليات لتفسير هذا النص القرآني . . فهو يصور مدارج الانحراف في النفس البشرية . . ولقد كان المشركون على عهد رسول الله [ ص ] وقبله , ينذرون بعض أبنائهم للآلهة , أو لخدمة معابد الآلهة ! تقرباً وزلفى إلى الله ! ومع توجههم في أول الأمر لله , فإنهم بعد دحرجة من قمة التوحيد إلى درك الوثنية كانوا ينذرون لهذه الآلهة أبناءهم لتعيش وتصح وتوقى المخاطر ! كما يجعل الناس اليوم نصيباً في أبدان أبنائهم للأولياء والقديسين . كأن يستبقوا شعر الغلام لا يحلق أول مرة إلا على ضريح ولي أو قديس . أو أن يستبقوه فلا ختان حتى يختن هناك . مع أن هؤلاء الناس اليوم يعترفون بالله الواحد . ثم