|
في ظلال القرآن
الكريم
الأعراف من الاية 205 الى الاية 205 وَاذْكُر رَّبَّكَ فöي نَفْسöكَ تَضَرُّعاً وَخöيفَةً وَدُونَ الْجَهْرö مöنَ الْقَوْلö بöالْغُدُوّö وَالآصَالö وَلاَ تَكُن مّöنَ الْغَافöلöينَ (205)
والإدراك والطمأنينة والراحة , والنقلة البعيدة في المعرفة الواعية المستنيرة . . مما لا يدركه إلا من ذاقه وعرفه ! وإن العكوف على هذا القرآن - في وعي وتدبر لا مجرد التلاوة والترنم ! - لينشئ في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى ; ومن المعرفة المطمئنة المستيقنة ; ومن الحرارة والحيوية والانطلاق ! ومن الإيجابية والعزم والتصميم ; ما لا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب ! وإن رؤية حقائق الوجود - من خلال التصوير القرآني - وحقائق الحياة , ورؤية الحياة البشرية وطبيعتها وحاجاتها من خلال التقريرات القرآنية , لهي رؤية باهرة واضحة دقيقة عميقة . تهدي إلى معالجتها وإلى مزاولتها بروح أخرى , غير ما توجه إليه سائر التصويرات والتقريرات البشرية . . وهذا كله أرجى إلى الرحمة . . وهو يكون في الصلاة وفي غير الصلاة . وليس هناك ما يخصص هذا التوجيه القرآني العام بالصلاة كما روى القرطبي عن النحاس . الدرس الرابع:205 - 206 الذكر والدعاء والصلاة والإستغفار ثم تنتهي السورة بالتوجيه إلى ذكر الله عامة . . في الصلاة وفي غير الصلاة . . (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال , ولا تكن من الغافلين . إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون). . قال ابن كثير في التفسير:" يأمر الله تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيراً . كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب - وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء . وهذه الآية مكية - وقال ها هنا:بالغدو , وهو أول النهار , والآصال جمع أصيل - كما أن الأيمان جمع يمين - وأما قوله: تضرعاً وخيفة أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول , لا جهراً , ولهذا قال: (ودون الجهر من القول). وهكذا يستحب أن يكون الذكر , لا يكون نداء وجهراً بليغاً . ولهذا لما سألوا رسول الله [ ص ] فقالوا:أقريب ربنا فنناجيه ; أم بعيد فنناديه ? فأنزل الله عز وجل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان). . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال:رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار , فقال لهم النبي [ ص ]:" يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم , فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً , إن الذي تدعونه سميع قريب , أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " . . ولم يقبل قول ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:إن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة . . وقال:" فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه , بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال لئلا يكونوا من الغافلين . ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون , فقال: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته). . الآية . وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم " . . ونحن نرى فيما أورده ابن كثير من المناسبة والأحاديث النبوية مدى ما كان هذا القرآن وكانت التربية النبوية تنقل إليه نفوس العرب من المعرفة بحقيقة ربهم , وحقيقة الوجود من حولهم . وندرك من سؤالهم ومن الإجابة عليهم مدى النقلة التي نقلها لهم هذا الدين , بهذا الكتاب الكريم , بالتوجيه النبوي القويم . . إنها نقلة بعيدة , تتجلى فيها نعمة الله ورحمته لو كان الناس يعلمون . . ! وبعد , فإن ذكر الله - كما توجه إليه هذه النصوص - ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان . ولكنه الذكر بالقلب والجنان . فذكر الله إن لم يرتعش له الوجدان , وإن لم يخفق له القلب , وإن لم تعش به النفس . . إن لم يكن مصحوباً بالتضرع والتذلل والخشية والخوف . . لن يكون ذكراً . . بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه . إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل والضراعة , وبالخشية والتقوى . . إنما هو استحضار جلال الله وعظمته , واستحضار المخافة لغضبه وعقابه , واستحضار الرجاء فيه والالتجاء إليه . . حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان , ويتصل بمصدره اللدني الشفيف المنير . . فإذا تحرك اللسان مع القلب ; وإذا نبست الشفاه مع الروح ; فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع ولا تناقض الضراعة . ليكن ذلك في صوت خفيض , لا مكاء تصدية , ولا صراخاً وضجة , ولا غناء وتطرية ! (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول). . (بالغدو والآصال). في مطالع النهار وفي أواخره . فيظل القلب موصولاً بالله طرفي النهار . وذكر الله لا يقتصر على هذه الآونة , فذكر الله ينبغي أن يكون في القلب في كل آن ; ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة . ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون . . من ليل إلى نهار . . ومن نهار إلى ليل . ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله ; وهو يرى يد الله تقلب الليل والنهار ; وتغير الظواهر والأحوال . . وإن الله - سبحانه - ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة . . ولقد كثر في القرآن التوجيه إلى ذكر الله سبحانه وتسبيحه في الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للاتصال بالله . . (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب . ومن الليل فسبحه وأدبار السجود). . (ومن آثار الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى). .(واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً . ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً). . ولا داعي للقول بأن هذا الأمر بالذكر في هذه الآونة قد كان قبل فرض الصلاة المكتوبة في أوقاتها المعلومة . مما يوحي بأن فرض الصلاة المكتوبة قد أغنى عن هذا الأمر في هذه الآونة . فهذا الذكر أشمل من الصلاة , وأوقاته ليست مقصورة على مواقيت الصلاة المكتوبة . كما أنه قد يكون في صور غير صورة الصلاة - المكتوبة وغير المكتوبة - في صورة الذكر بالقلب , أو بالقلب واللسان دون بقية حركات الصلاة . . بل إنه لأشمل من ذلك كذلك . إنه التذكر الدائم والاستحضار الدائم لجلال الله - سبحانه - ومراقبته في السر والعلن , وفي الصغيرة والكبيرة , وفي الحركة والسكنة , وفي العمل والنية . . وإنما ذكر البكرة والأصيل والليل . . لما في هذه الآونة من مؤثرات خاصة يعلم الله ما تصنع في القلب البشري , الذي يعلم خالقه فطرته وطبيعة تكوينه ! (ولا تكن من الغافلين). . الغافلين عن ذكر الله . . لا بالشفة واللسان , ولكن بالقلب والجنان . . الذكر الذي يخفق به القلب ; فلا يسلك صاحبه طريقاً يخجل أن يطلع عليه الله فيه ; ويتحرك حركة يخجل أن يراه الله عليها ; ولا يأتي صغيرة أو كبيرة إلا وحساب الله فيها . . فذلك هو الذكر الذي يرد به الأمر هنا ; وإلا فما هو ذكر لله , إذا كان لا يؤدي إلى الطاعة والعمل والسلوك والاتباع . اذكر ربك ولا تغفل عن ذكره ; ولا يغفل قلبك عن مراقبته ; فالإنسان أحوج إلى أن يظل على اتصال بربه , ليتقوى على نزغات الشيطان:(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله , إنه سميع عليم). ولقد السابق - التالي
|