ألا تجد ذلك في العبء الذي أنقض ظهرك ? ألا تجد عبئك خفيفا بعد أن شرحنا لك صدرك ? (ورفعنا لك ذكرك). . رفعناه في الملأ الأعلى , ورفعناه في الأرض , ورفعناه في هذا الوجود جميعا . . رفعناه فجعلنا اسمك مقرونا باسم الله كلما تحركت به الشفاه:
"لا إله إلا الله . محمد رسول الله" . . وليس بعد هذا رفع , وليس وراء هذا منزلة . وهو المقام الذي تفرد به [ ص ] دون سائر العالمين . .
ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ , حين قدر الله أن تمر القرون , وتكر الأجيال , وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الأسم الكريم , مع الصلاة والتسليم , والحب العميق العظيم .
ورفعنا لك ذكرك . وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهي الرفيع . وكان مجرد الاختيار لهذا الأمر رفعة ذكر لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود . .
فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء ?
ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار , ويسري عنه , ويؤنسه , ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه:
(فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا). .
إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه . وقد لازمه معك فعلا . فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك , فخف حملك , الذي أنقض ظهرك . وكان اليسر مصاحبا للعسر , يرفع إصره , ويضع ثقله .
وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه:(فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا). . وهذا التكرار يشي بأن الرسول [ ص ] كان في عسرة وضيق ومشقة , اقتضت هذه الملاحظة , وهذا التذكير , وهذا الاستحضار لمظاهر العناية , وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية , وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد . . والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمرا عظيما . .
ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير , وأسباب الانشراح , ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل:(فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب). .
إن مع العسر يسرا . . فخذ في أسباب اليسر والتيسير . فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض , ومع شواغل الحياة . . إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد . . العبادة والتجرد والتطلع والتوجه . .(وإلى ربك فارغب). . إلى ربك وحده خاليا من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم . . إنه لا بد من الزاد للطريق . وهنا الزاد . ولا بد من العدة للجهاد . وهنا العدة . . وهنا ستجد يسرا مع كل عسر , وفرجا مع كل ضيق . . هذا هو الطريق !
وتنتهي هذه السورة كما انتهت سورة الضحى , وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين:الشعور بعظمة الود الحبيب الجليل الذي ينسم على روح الرسول [ ص ] من ربه الودود الرحيم . والشعور بالعطف على شخصه [ ص ] ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في هذه الآونة