(والعاديات ضبحا , فالموريات قدحا , فالمغيرات صبحا , فأثرن به نقعا , فوسطن به جمعا . . إن الإنسان لربه لكنود . وإنه على ذلك لشهيد . وإنه لحب الخير لشديد . . .)يقسم الله سبحانه بخيل المعركة , ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري , قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها , مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو , مثيرة للنقع والغبار . غبار المعركة على غير انتظار . وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب !
إنها خطوات المعركة على ما يألفه المخاطبون بالقرآن أول مرة . . . والقسم بالخيل في هذا الإطار فيه إيحاء قوي بحب هذه الحركة والنشاط لها , بعد الشعور بقيمتها في ميزان الله والتفاته سبحانه إليها ?
وذلك فوق تناسق المشهد مع المشاهد المقسم عليها والمعقب بها كما أسلفنا . أما الذي يقسم الله - سبحانه - عليه , فهو حقيقة في نفس الإنسان , حين يخوى قلبه من دوافع الإيمان . حقيقة ينبهه القرآن إليها , ليجند إرادته لكفاحها مذ كان الله يعلم عمق وشائجها في نفسه , وثقل وقعها في كيانه:
(إن الإنسان لربه لكنود . وإنه على ذلك لشهيد . وإنه لحب الخير لشديد). .
إن الإنسان ليجحد نعمة ربه , وينكر جزيل فضله . ويتمثل كنوده وجحوده في مظاهر شتى تبدو منه أفعالا وأقوالا , فتقوم عليه مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة . وكأنه يشهد على نفسه بها . أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود:(وإنه على ذلك لشهيد). . يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال !
(وإنه لحب الخير لشديد)فهو شديد الحب لنفسه , ومن ثم يحب الخير . ولكن كما يتمثله مالا وسلطة ومتاعا بأعراض الحياة الدنيا . . .
هذه فطرته . وهذا طبعه . ما لم يخالط الإيمان قلبه . فيغير من تصوراته وقيمه وموازينه واهتماماته . ويحيل كنوده وجحوده اعترافا بفضل الله وشكرانا . كما يبدل أثرته وشحه إيثارا ورحمة . ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكد والكدح . وهي قيم أعلى من المال والسلطة والمتاع الحيواني بأعراض الحياة الدنيا . .
إن الإنسان - بغير إيمان - حقير صغير . حقير المطامع , صغير الاهتمامات . ومهما كبرت أطماعه . واشتد طموحه , وتعالت أهدافه , فإنه يظل مرتكسا في حمأة الأرض , مقيدا بحدود العمر , سجينا في سجن الذات . . لا يطلقه ولا يرفعه إلا الاتصال بعالم أكبر من الأرض , وأبعد من الحياة الدنيا , وأعظم من الذات . . عالم يصدر عن الله الأزلي , ويعود إلى الله الأبدي , وتتصل فيه الدنيا بالآخرة إلى غير انتهاء . .
ومن ثم تجيء اللفتة الأخيرة في السورة لعلاج الكنود والجحود والأثرة والشح , لتحطيم قيد النفس وإطلاقها منه . مع عرض مشهد البعث والحشر في صورة تنسي حب الخير , وتوقظ من غفلة البطر:
(أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور , وحصل ما في الصدور ?). .
وهو مشهد عنيف مثير . بعثرة لما في القبور . بعثرة بهذا اللفظ العنيف المثير . وتحصيل لأسرار الصدور التي ضنت بها وخبأتها بعيدا عن العيون . تحصيل بهذا اللفظ العنيف القاسي . . فالجو كله عنف وشدة وتعفير !
أفلا يعلم إذا كان هذا ? ولا يذكر ماذا يعلم ? لأن علمه بهذا وحده يكفي لهز المشاعر . ثم ليدع النفس