يقسم الله - سبحانه - بهاتين الآيتين:الليل والنهار . مع صفة كل منهما الصفة المصورة للمشهد . (والليل إذا يغشى). .(والنهار إذا تجلى). . الليل حين يغشى البسيطة , ويغمرها ويخفيها . والنهار حين يتجلى ويظهر , فيظهر في تجليه كل شيء ويسفر . وهما آنان متقابلان في دورة الفلك , ومتقابلان في الصورة , ومتقابلان في الخصائص , ومتقابلان في الآثار . . كذلك يقسم بخلقه الأنواع جنسين متقابلين:(وما خلق الذكر والأنثى). . تكملة لظواهر التقابل في جو السورة وحقائقها جميعا . والليل والنهار ظاهرتان شاملتان لهما دلالة توحيان بها إيحاء للقلب البشري ; ولهما دلالة كذلك أخرى عند التدبر والتفكر فيهما وفيما وراءهما . والنفس تتأثر تأثرا تلقائيا بتقلب الليل والنهار . الليل إذا يغشى ويعم , والنهار إذا تجلى وأسفر . ولهذا التقلب حديث وإيحاء . حديث عن هذا الكون المجهول الأسرار , وعن هذه الظواهر التي لا يملك البشر من أمرها شيئا . وإيحاء بما وراء هذا التقلب من قدرة تدير الآونة في الكون كما تدار العجلة اليسيرة ! وبما هنالك من تغير وتحول لا يثبت أبدا على حال .
ودلالتهما عند التدبر والتفكر قاطعة في أن هنالك يدا أخرى تدير هذا الفلك , وتبدل الليل والنهار . بهذا الانتظام وهذا الاطراد وهذه الدقة . وأن الذي يدير الفلك هكذا يدير حياة البشر أيضا . ولا يتركهم سدى , كما أنه لا يخلقهم عبثا .
ومهما حاول المنكرون والمضلون أن يلغوا في هذه الحقيقة , وأن يحولوا الأنظار عنها , فإن القلب البشري سيظل موصولا بهذا الكون , يتلقى إيقاعاته , وينظر تقلباته , ويدرك تلقائيا كما يدرك بعد التدبر والتفكر , أن هنالك مدبرا لا محيد من الشعور به , والاعتراف بوجوده من وراء اللغو والهذر , ومن وراء الجحود والنكران !
وكذلك خلقة الذكر والأنثى . . إنها في الأنسان والثدييات الحيوانية نطفة تستقر في رحم . وخلية تتحد ببويضة . ففيم هذا الاختلاف في نهاية المطاف ? ما الذي يقول لهذه:كوني ذكرا . ويقول لهذه:كوني أنثى ? . . إن كشف هذه العوامل التي تجعل هذه النطفة تصبح ذكرا , وهذه تصبح أنثى لا يغير من واقع الأمر شيئا . . فإنه لماذا تتوفر هذه العوامل هنا وهذه العوامل هناك ? وكيف يتفق أن تكون صيرورة هذه ذكرا , وصيرورة هذه أنثى هو الحدث الذي يتناسق مع خط سير الحياة كلها , ويكفل امتدادها بالتناسل مرة أخرى ?
مصادفة ?! إن للمصادفة كذلك قانونا يستحيل معه أن تتوافر هذه الموافقات كلها من قبيل المصادفة . . فلا يبقى إلا أن هنالك مدبرا يخلق الذكر والأنثى لحكمة مرسومة وغاية معلومة . فلا مجال للمصادفة , ولا مكان للتلقائية في نظام هذا الوجود أصلا .
والذكر والأنثى شاملان بعد ذلك للأنواع كلها غير الثدييات . فهي مطردة في سائر الأحياء ومنها النبات . . قاعدة واحدة في الخلق لا تختلف . لا يتفرد ولا يتوحد إلا الخالق سبحانه الذي ليس كمثله شيء . .
هذه بعض إيحاءات تلك المشاهد الكونية , وهذه الحقيقة الإنسانية التي يقسم الله - سبحانه - بها , لعظيم دلالتها وعميق إيقاعها . والتي يجعلها السياق القرآني إطارا لحقيقة العمل والجزاء في الحياة الدنيا وفي الحياة الأخرى . .
الدرس الثاني:4 - 21 سعي الناس شتى مختلف وصفات المؤمنين الإيجابية وصفات الكفار السلبية
يقسم الله بهذه الظواهر والحقائق المتقابلة في الكون وفي الناس , على أن سعي الناس مختلف وطرقهم مختلفة , ومن ثم فجزاؤهم مختلف كذلك ; فليس الخير كالشر , وليس الهدى كالضلال , وليس الصلاح كالفساد ,