وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى , وليس من صدق وآمن كمن كذب وتولى . وأن لكل طريقا , ولكل مصيرا , ولكل جزاء وفاقا:(إن سعيكم لشتى . فأما من أعطى واتقى , وصدق بالحسنى , فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى , وكذب بالحسنى , فسنيسره للعسرى , وما يغني عنه ماله إذا تردى). .
إن سعيكم لشتى . . مختلف في حقيقته . مختلف في بواعثه . مختلف في اتجاهه . مختلف في نتائجه . . والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم , وتختلف مشاربهم , وتختلف تصوراتهم , وتختلف اهتماماتهم , حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص .
هذه حقيقة . ولكن هناك حقيقة أخرى . حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعا . وتضم هذه العوالم المتباينة كلها . تضمها في حزمتين اثنتين . وفي صفين متقابلين . تحت رايتين عامتين: (من أعطى واتقى وصدق بالحسنى). . و (من بخل واستغنى وكذب بالحسنى). .
من أعطى نفسه وماله . واتقى غضب الله وعذابه . وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل(الحسنى)كانت اسما لها وعلما عليها .
ومن بخل بنفسه وماله . واستغنى عن الله وهداه . وكذب بهذه الحسنى . .
هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس , وشتات السعي , وشتات المناهج , وشتات الغايات . ولكل منهما في هذه الحياة طريق . . ولكل منهما في طريقه توفيق !
(فأما من أعطى واتقى , وصدق بالحسنى . . فسنيسره لليسرى). .
والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها . عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه - سبحانه - على نفسه بإرادته ومشيئته . والذي بدونه لا يكون شيء , ولا يقدر الإنسان على شيء .
ومن يسره الله لليسرى فقد وصل . . وصل في يسر وفي رفق وفي هوادة . . وصل وهو بعد في هذه الأرض . وعاش في يسر . يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله وعلى كل من حوله . اليسر في خطوه . واليسر في طريقه . واليسر في تناوله للأمور كلها . والتوفيق الهادئ المطمئن في كلياتها وجزئياتها . وهي درجة تتضمن كل شيء في طياتها . حيث تسلك صاحبها مع رسول الله [ ص ] في وعد ربه له: ونيسرك لليسرى . .
(وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . . فسنيسره للعسرى . وما يغني عنه ماله إذا تردى .). .
والذي يبخل بنفسه وماله , ويستغني عن ربه وهداه , ويكذب بدعوته ودينه . . يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد . ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء , فييسره للعسرى ! ويوفقه إلى كل وعورة ! ويحرمه كل تيسير ! ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجا , ينحرف به عن طريق الرشاد . ويصعد به في طريق الشقاوة . وإن حسب أنه سائر في طريق الفلاح . وإنما هو يعثر فيتقي العثار بعثرة أخرى تبعده عن طريق الله , وتنأى به عن رضاه . . فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به , والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه . .(وما يغني عنه ماله إذا تردى). . والتيسير للشر والمعصية من