قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتöيكُمْ رُسُلُكُم بöالْبَيّöنَاتö قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافöرöينَ إöلَّا فöي ضَلَالٍ (50) إöنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذöينَ آمَنُوا فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالöمöينَ مَعْذöرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارö (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنöي إöسْرَائöيلَ الْكöتَابَ (53) هُدًى وَذöكْرَى لöأُولöي الْأَلْبَابö (54) فَاصْبöرْ إöنَّ وَعْدَ اللَّهö حَقّñ وَاسْتَغْفöرْ لöذَنبöكَ وَسَبّöحْ بöحَمْدö رَبّöكَ بöالْعَشöيّö وَالْإöبْكَارö (55)
(فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال). . لقد طويت الدنيا , وعرضت أول صفحة بعدها . فإذا الرجل المؤمن الذي قال كلمة الحق ومضى , قد وقاه الله سيئات مكر فرعون وملئه , فلم يصبه من آثارها شيء في الدنيا , ولا فيما بعدها أيضاً . بينما حاق بآل فرعون سوء العذاب:
(النار يعرضون عليها غدواً وعشياً . ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).
والنص يلهم أن عرضهم على النار غدواً وعشياً , هو في الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة . وقد يكون هذا هو عذاب القبر . إذ أنه يقول بعد هذا: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب . . فهو إذن عذاب قبل يوم القيامة . وهو عذاب سيى ء . عرض على النار في الصباح وفي المساء . إما للتعذيب برؤيتها وتوقع لذعها وحرها - وهو عذاب شديد - وإما لمزاولتها فعلاً . فكثيراً ما يستعمل لفظ العرض للمس والمزاولة . وهذه أدهى . . ثم إذا كان يوم القيامة أدخلوا أشد العذاب !
فأما في الآية التالية فقد كانت القيامة فعلاً , والسياق يلتقط لهم موقفاً في النار ! وهم يتحاجون فيها:
(فيقول الضعفاء للذين استكبروا:إنا كنا لكم تبعاً . فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار ?).
إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا . لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولاً وإمعات ! ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنماً تساق ! لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار !
لقد منحهم الله الكرامة . كرامة الإنسانية . وكرامة التبعة الفردية . وكرامة الاختيار والحرية . ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعاً . تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ والحاشية . لم يقولوا لهم:لا . بل لم يفكروا أن يقولوها . بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال . . (إنا كنا لكم تبعاً). . وما كان تنازلهم عما وهبهم الله واتباعهم الكبراء ليكون شفيعاً لهم عند الله . فهم في النار . ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة . سوق الشياه ! ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم: (فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار ?). . كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد , وأنهم يحمونهم من الفساد , وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء !
فأما الذين استكبروا فيضيقون صدراً بالذين استضعفوا , ويجيبونهم في ضيق وبرم وملالة . وفي إقرار بعد الاستكبار:
(قال الذين استكبروا:إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد). .
(إنا كل فيها). . إنا كل ضعاف لا نجد ناصراً ولا معيناً . إنا كل في هذا الكرب والضيق سواء . فما سؤالكم لنا وأنتم ترون الكبراء والضعاف سواء ?
(إن الله قد حكم بين العباد). . فلا مجال لمراجعة في الحكم , ولا مجال لتغيير فيه أو تعديل . وقد قضي الأمر , وما من أحد من العباد يخفف شيئاً من حكم الله .
وحين أدرك هؤلاء وهؤلاء أن لا ملجأ من الله إلا إليه , اتجه هؤلاء وهؤلاء لخزنة جهنم في ذلة تعم الجميع , وفي ضراعة تسوي هؤلاء بهؤلاء:
(وقال الذين في النار لخزنة جهنم:ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب). .
إنهم يستشفعون حراس جهنم , ليدعوا ربهم . في رجاء يكشف عن شدة البلاء: (ادعوا ربكم يخفف عنا
يوماً من العذاب). . يوماً . يوماً فقط . يوماً يلقطون فيه أنفاسهم ويستريحون . فيوم واحد يستحق الشفاعة واللهفة والدعاء . ولكن خزنة جهنم لا يستجيبون لهذه الضراعة البائسة الذليلة الملهوفة . فهم يعرفون الأصول . ويعرفون سنة الله , ويعرفون أن الأوان قد فات . وهم لهذا يزيدون المعذبين عذاباً بتأنيبهم وتذكيرهم بسبب هذا العذاب:
وقالوا:أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ? . . قالوا:بلى .
وفي السؤال وفي جوابه ما يغني عن كل حوار . وعندئذ نفض الخزنة أيديهم منهم , وأسلموهم إلى اليأس مع السخرية والاستهتار:
(قالوا:فادعوا). .
إن كان الدعاء يغير من حالكم شيئاً , فتولوا أنتم الدعاء .
وتعقب الآية قبل تمامها على هذا الدعاء:
(وما دعاء الكافرين إلا في ضلال). .
لا يبلغ . ولا يصل . ولا ينتهي إلى جواب . إنما هو الإهمال والازدراء للكبراء والضعفاء سواء .
الدرس الثامن:51 - 55 نصر جنود الحق ولعنة الظالمين والصبر على الطريق
عند هذا الموقف الحاسم يجيء التعقيب الأخير على الحلقة كلها , وعلى ما تقدمها من الإشارة إلى الأحزاب التي تعرضت لبأس الله , بعد التكذيب والاستكبار .
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا , ويوم يقوم الأشهاد . يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم , ولهم اللعنة ولهم سوء الدار . ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب . فاصبر إن وعد الله حق . واستغفر لذنبك , وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار). .
هذا التعقيب الجازم , يناسب ذلك الموقف الحاسم . ولقد اطلعت منه البشرية على مثل من نهاية الحق والباطل . نهايتهما في هذه الأرض ونهايتهما كذلك في الآخرة . ورأت كيف كان مصير فرعون وملئه في الحياة الدنيا , كما رأوهم يتحاجون في النار , وينتهون إلى إهمال وصغار . وذلك هو الشأن في كل قضية كما يقرر القرآن:
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار). .
فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية . ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة . وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان .
إن وعد الله قاطع جازم: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا . .). . بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذباً مطروداً , وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب , وفيهم من يلقى في الأخدود , وفيهم من يستشهد , وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد . . فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ? ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل , ويفعل بها الأفاعيل !
ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير .
إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان , وحيز محدود من المكان . وهي مقاييس بشرية صغيرة . فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان , ولا يضع الحدود بين عصر وعصر
ولا بين مكان ومكان . ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها . وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها ! والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم , قريبة الرؤية لأعينهم . ولكن صور النصر شتى وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة . . إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها . . أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة ? ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من بعيد . فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب ! . . والحسين - رضوان الله عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب , المفجعة من جانب ? أكانت هذه نصراً أم هزيمة ? في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة . فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً . فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف , وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه . يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين . من المسلمين . وكثير من غير المسلمين !
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام , كما نصرها باستشهاده . وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة , ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة , بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه , فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد . وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التاريخ كله مدى أجيال . .
ما النصر ? وما الهزيمة ? إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور . ومن القيم . قبل أن نسأل:أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا !
على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة . ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة . لقد انتصر محمد [ ص ] في حياته . لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض . فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعاً . من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة . فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في حياته , ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة , ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة . ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة , واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية . وفق تقدير الله وترتيبه .
وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك . إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا . ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها . وحقيقة الإيمان كثيراً ما يتجوز الناس فيها . وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله . وإن هنالك لأشكالاً من الشرك خفية ; لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده , ويتوكل عليه وحده , ويطمئن إلى قضاء الله فيه , وقدره عليه , ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله . ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول . وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله , ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير . فسيكل هذا كله لله . ويلتزم . ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير . . وذلك معنى من معاني النصر . . النصر على