هذه الخوارق التي يطلبون وهي شاهدة كذلك بالألوهية لبطلان أي ادعاء بأن أحداً غير الله خلقها , وأي ادعاء كذلك بأنها خلقت بلا خالق مدبر مريد:(الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها , ومنها تأكلون . ولكم فيها منافع , ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم , وعليها وعلى الفلك تحملون . ويريكم آياته , فأي آيات الله تنكرون ?). .
وخلق هذه الأنعام ابتداء آية خارقة كخلق الإنسان فبث الحياة فيها وتركيبها وتصويرها كلها خوارق , لا يتطاول الإنسان إلى ادعائها ! وتذليل هذه الأنعام وتسخيرها للإنسان , وفيها ما هو أضخم منه جسماً وأشد منه قوة , وهو جعلها:(الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها , ومنها تأكلون . . .). وهذه لا يستحق الاحترام أن يقول قائل:إنها هكذا وجدت والسلام ! وإنها ليست خارقة معجزة بالقياس إلى الإنسان ! وإنها لا تدل على الخالق الذي أنشأها وسخرها بما أودعها من خصائص وأودع الإنسان ! ومنطق الفطرة يقر بغير هذا الجدال والمراء .
ويذكرهم بما في هذه الآيات الخوارق من نعم كبار:
(لتركبوا منها , ومنها تأكلون),(ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون). .
والحاجات التي كانت في الصدور والتي كانوا يبلغونها على الأنعام هي حاجات ضخمة في ذلك الزمان . قبل نشوء كل وسائل النقل والسفر والاتصال إلا على هذه الأنعام . وما تزال هناك حاجات تبلغ على هذه الأنعام حتى اليوم وغد . وهناك حتى اللحظة أسفار في بعض الجبال لا تبلغها إلا الأنعام مع وجود القطار والسيارة والطيارة , لأنها مجازات ضيقة لا تتسع لغير أقدام الأنعام !
(وعليها وعلى الفلك تحملون). .
وهذه كتلك آية من آيات الله . ونعمة من نعمه على الإنسان . وسير الفلك على الماء قائم على نواميس وموافقات في تصميم هذا الكون:سمائه وأرضه . يابسه ومائه . وفي طبيعة أشيائه وعناصره . لا بد أن توجد حتى يمكن أن يسير الفلك على الماء . سواء سار بالشراع أم بالبخار أم بالذرة , أم بغيرها من القوى التي أودعها الله هذا الكون , ويسر استخدامها للإنسان . . ومن ثم تذكر في معرض آيات الله , وفي معرض نعمه على السواء .
وكم هنالك من آيات من هذا النوع الحاضر المتناثر في الكون , لا يملك إنسان أن ينكره وهو جاد:
(ويريكم آياته . فأي آيات الله تنكرون ?)
نعم إن هنالك من ينكر . وهنالك من يجادل في آيات الله . وهنالك من يجادل بالباطل ليدحض به الحق . ولكن أحداً من هؤلاء لا يجادل إلا عن التواء , أو غرض , أو كبر , أو مغالطة , لغاية أخرى غير الحقيقة .
هنالك من يجادل لأنه طاغية كفرعون وأمثاله , يخشى على ملكه , ويخشى على عرشه , لأن هذا العرش يقوم على أساطير يذهب بها الحق , الذي يثبت بثبوت حقيقة الألوهية الواحدة !
وهنالك من يجادل لأنه صاحب مذهب في الحكم كالشيوعية يتحطم إذا ثبتت حقيقة العقيدة السماوية في نفوس البشر . لأنه يريد أن يلصق الناس بالأرض ; وأن يعلق قلوبهم بمعداتهم وشهوات أجسادهم ; وأن يفرغها من عبادة الله لتعبد المذهب أو تعبد الزعيم !
وهنالك من يجادل لأنه ابتلي بسيطرة رجال الدين - كما وقع في تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى - ومن ثم فهو يريد الخلاص من هذه السيطرة . فيشتط فيرد على الكنيسة إلهها , الذي تستعبد باسمه الناس !