الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  مقالات مختارة

 - عرض حسب التصنيف -  - عرض حسب الكاتب -  - عرض  أبجدي -
مقالات مختارة
عنوان المقال: أسئلة جديدة حول الهجرة النبوية
الكاتب: السيد ميلود النويني
التصنيف: دعوة
المصدر:الشبكة الدعوية

أسئلة جديدة حول الهجرة النبوية

في حديث أورده الإمام أحمد رحمه الله في مسنده قال þحَدَّثَنَا þ þعَبْدُ الرَّزَّاقö þ þعَنْ þ þمَعْمَرٍ þ þعَنْ þ þقَتَادَةَ þ þعَنْ þ þزُرَارَةَ þ þعَنْ þ þسَعْدö بْنö هöشَامٍ þ þقَالَ þþسَأَلْتُ þ þعَائöشَةَ þ þفَقُلْتُ أَخْبöرöينöي عَنْ خُلُقö رَسُولö اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þفَقَالَتْ þþ ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ.))[1]

وفي حديث أورده الإمام الدارمي في سننه قال رحمه الله حَدَّثَنَا þ þجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ þ þحَدَّثَنَا þ þإöبْرَاهöيمُ هُوالْهَجَرöيُّ þ þعَنْ þ þأَبöي الْأَحْوَصö þ þعَنْ þ þعَبْدö اللَّهö þ þقَالَ þ((þإöنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهö فَتَعَلَّمُوا مöنْ مَأْدُبَتöهö مَا اسْتَطَعْتُمْ إöنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهö وَالنُّورُ الْمُبöينُ وَالشّöفَاءُ النَّافöعُ عöصْمَةñ لöمَنْ تَمَسَّكَ بöهö وَنَجَاةñ لöمَنْ اتَّبَعَهُ لَا يَزöيغُ فَيَسْتَعْتöبُ وَلَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ وَلَا تَنْقَضöي عَجَائöبُهُ وَلَا þ þيَخْلَقُ þ þعَنْ كَثْرَةö الرَّدّö فَاتْلُوهُ فَإöنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تöلَاوَتöهö بöكُلّö حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ أَمَا إöنّöي لَا أَقُولُ الم وَلَكöنْ بöأَلöفٍ þ þوَلَامٍ وَمöيمٍ))[2]

فإذا علمت أنه صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن وعلمت þأن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه أدركت أن سيرته صلى الله عليه وسلم هي الأخرى لا تنقضي عجائبها، وإذا كنا مأمورون بتلاوة القرآن الكريم فإن قراءة السيرة العطرة لسيد الخلق مطلوبة أيضا لأنها التجسيد العملي والتطبيق في أعلى صور الكمال للقرآن الكريم.

ونحن اليوم عند بداية السنة الهجرية (1428) نجد أنفسنا وبتلقائية أمام حدث هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فيتجدد النظر ويتجدد التأمل وتُتلمس الدروس والعبر.

ومن الأسئلة التي ترد على الذهن وهويتأمل في هذا الحدث الكبير:

1.      هل هجرته صلى الله عليه وسلم كانت مفاجئة وغير متوقعة؟

2.      لما كانت الهجرة من مكة إلى أماكن أخرى متاحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كالحبشة مثلا، المدينة بعد بيعة العقبة الأولى والثانية مباشرة، فلماذا انتظر إلى آخر لحظة وقد تهيأ أعداءه من أهل مكة لقتله؟

3.      ثم لماذا انتظر مشركوقريش ثلاثة عشرة سنة ليفكروا في قتله صلى الله عليه وسلم؟

4.      ولماذا وما الداعي الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر من بلده مكة؟

5.       سؤال آخر في غاية الأهمية، كما نحسبه، يلح بالخصوص حين يتذكر المرء أن محمد صلى الله عليه وسلم جاء رحمة للعالمين ومبعوثا لكل الناس فإذا كان الأمر كذلك، لماذا كانت البداية من مكة ولم تكن من الحبشة أومن الفرس أومن الروم أومن...، ما هي ميزات مكة على غيرها لتحوز هذا الشرف: انطلاق الإسلام منها إلى باقي العالم؟

 

*      1. هل هجرته صلى الله عليه وسلم كانت مفاجئة وغير متوقعة؟

إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علم أنه مُخرج من أرضه من أول أيام البعثة، فقد جاء في صحيح البخاري أن ورقة بن نوفل خبّره بذلك من أول مرة جاءه الوحي، نقرأ في الحديث التي رواه الإمام البخاري رحمه الله قال:

þþحَدَّثَنَا þ þيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ þ þحَدَّثَنَا þ þاللَّيْثُ þ þعَنْ þ þعُقَيْلٍ þ þعَنْ þ þابْنö شöهَابٍ þ þح þ þوحَدَّثَنöي þ þعَبْدُ اللَّهö بْنُ مُحَمَّدٍ þ þحَدَّثَنَا þ þعَبْدُ الرَّزَّاقö þ þحَدَّثَنَا þ þمَعْمَرñ þ þقَالَ þ þالزُّهْرöيُّ þ þفَأَخْبَرَنöي þ þعُرْوَةُ þ þعَنْ þ þعَائöشَةَ þ þرَضöيَ اللَّهُ عَنْهَا þ þأَنَّهَا قَالَتْ þأَوَّلُ مَا بُدöئَ بöهö رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þمöنْ الْوَحْيö الرُّؤْيَا الصَّادöقَةُ فöي النَّوْمö فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إöلَّا جَاءَتْ مöثْلَ فَلَقö الصُّبْحö فَكَانَ يَأْتöي þ þحöرَاءً þ þفَيَتَحَنَّثُ فöيهö þ þوَهُوالتَّعَبُّدُ þ þاللَّيَالöيَ ذَوَاتö الْعَدَدö þ þوَيَتَزَوَّدُ لöذَلöكَ ثُمَّ يَرْجöعُ إöلَى þ þخَدöيجَةَ þ þفَتُزَوّöدُهُ لöمöثْلöهَا حَتَّى فَجöئَهُ الْحَقُّ وَهُوفöي þ þغَارö حöرَاءٍ þ þفَجَاءَهُ الْمَلَكُ فöيهö فَقَالَ اقْرَأْ فَقَالَ لَهُ النَّبöيُّ þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þفَقُلْتُ þ þمَا أَنَا بöقَارöئٍ فَأَخَذَنöي þ þفَغَطَّنöي þ þحَتَّى بَلَغَ مöنّöي þ þالْجَهْدُ þ þثُمَّ أَرْسَلَنöي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بöقَارöئٍ فَأَخَذَنöي فَغَطَّنöي الثَّانöيَةَ حَتَّى بَلَغَ مöنّöي þ þالْجَهْدُ þ þثُمَّ أَرْسَلَنöي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بöقَارöئٍ فَأَخَذَنöي فَغَطَّنöي الثَّالöثَةَ حَتَّى بَلَغَ مöنّöي þ þالْجَهْدُ þ þثُمَّ أَرْسَلَنöي فَقَالَ þ

(-þاقْرَأْ بöاسْمö رَبّöكَ الَّذöي خَلَقَ þ-) þحَتَّى بَلَغَ þ (-þعَلَّمَ الْإöنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ þ-)  þفَرَجَعَ بöهَا تَرْجُفُ þ þبَوَادöرُهُ þ þحَتَّى دَخَلَ عَلَى þ þخَدöيجَةَ þ þفَقَالَ þ þزَمّöلُونöي þ þزَمّöلُونöي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ يَا þ þخَدöيجَةُ þ þمَا لöي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ قَدْ خَشöيتُ عَلَى نَفْسöي فَقَالَتْ لَهُ كَلَّا أَبْشöرْ فَوَاللَّهö لَا يُخْزöيكَ اللَّهُ أَبَدًا إöنَّكَ لَتَصöلُ الرَّحöمَ وَتَصْدُقُ الْحَدöيثَ وَتَحْمöلُ þ þالْكَلَّ þ þوَتَقْرöي þ þالضَّيْفَ وَتُعöينُ عَلَى نَوَائöبö الْحَقّö ثُمَّ انْطَلَقَتْ بöهö þ þخَدöيجَةُ þ þحَتَّى أَتَتْ بöهö þ þوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلö بْنö أَسَدö بْنö عَبْدö الْعُزَّى بْنö قُصَيٍّ þ þوَهُوابْنُ عَمّö þþ خَدöيجَةَ þ þأَخُوأَبöيهَا وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فöي الْجَاهöلöيَّةö وَكَانَ يَكْتُبُ الْكöتَابَ الْعَرَبöيَّ فَيَكْتُبُ بöالْعَرَبöيَّةö مöنْ الْإöنْجöيلö مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبöيرًا قَدْ عَمöيَ فَقَالَتْ لَهُ þ þخَدöيجَةُ þ þأَيْ ابْنَ عَمّö اسْمَعْ مöنْ ابْنö أَخöيكَ فَقَالَ þ þوَرَقَةُ þ þابْنَ أَخöي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبöيُّ þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þمَا رَأَى فَقَالَ þ þوَرَقَةُ þ þهَذَا النَّامُوسُ الَّذöي أُنْزöلَ عَلَى þ þمُوسَى þ þيَا لَيْتَنöي فöيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حöينَ يُخْرöجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þأَوَمُخْرöجöيَّ هُمْ فَقَالَ þ þوَرَقَةُ þ þنَعَمْ لَمْ يَأْتö رَجُلñ قَطُّ بöمöثْلö مَا جöئْتَ بöهö إöلَّا عُودöيَ وَإöنْ يُدْرöكْنöي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ þ þيَنْشَبْ þ þوَرَقَةُ þ þأَنْ تُوُفّöيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزöنَ النَّبöيُّ þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þفöيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مöنْهُ مöرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مöنْ رُءُوسö شَوَاهöقö الْجöبَالö فَكُلَّمَا أَوْفَى بöذöرْوَةö جَبَلٍ لöكَيْ يُلْقöيَ مöنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ þ þجöبْرöيلُ þ þفَقَالَ يَا þ þمُحَمَّدُ þ þإöنَّكَ رَسُولُ اللَّهö حَقًّا فَيَسْكُنُ لöذَلöكَ þ þجَأْشُهُ þ þوَتَقöرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجöعُ فَإöذَا طَالَتْ عَلَيْهö فَتْرَةُ الْوَحْيö غَدَا لöمöثْلö ذَلöكَ فَإöذَا أَوْفَى بöذöرْوَةö جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ þ þجöبْرöيلُ þ þفَقَالَ لَهُ مöثْلَ ذَلöكَ.  þقَالَ þ þابْنُ عَبَّاسٍ þ (-þفَالöقُ الْإöصْبَاحö þ-) þضَوْءُ الشَّمْسö بöالنَّهَارö وَضَوْءُ الْقَمَرö بöاللَّيْلö.[3]

وورد الحديث أيضا في صحيح الإمام مسلم رحمه الله قال:

þحَدَّثَنöي þ þأَبُوالطَّاهöرö أَحْمَدُ بْنُ عَمْرöوبْنö عَبْدö اللَّهö بْنö عَمْرöوبْنö سَرْحٍ þ þأَخْبَرَنَا þ þابْنُ وَهْبٍ þ þقَالَ أَخْبَرَنöي þ þيُونُسُ þ þعَنْ þ þابْنö شöهَابٍ þ þقَالَ حَدَّثَنöي þ þعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرö þ þأَنَّ þ þعَائöشَةَ زَوْجَ النَّبöيّö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þأَخْبَرَتْهُ þ þأَنَّهَا قَالَتْ كَانَ þ þأَوَّلُ مَا بُدöئَ بöهö رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þمöنْ الْوَحْيö الرُّؤْيَا الصَّادöقَةَ فöي النَّوْمö فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إöلَّا جَاءَتْ مöثْلَ فَلَقö الصُّبْحö ثُمَّ حُبّöبَ إöلَيْهö الْخَلَاءُ فَكَانَ يَخْلُوþ þبöغَارö حöرَاءٍ þ þيَتَحَنَّثُ فöيهö þ þوَهُوالتَّعَبُّدُ þ þاللَّيَالöيَ أُوْلَاتö الْعَدَدö þ þقَبْلَ أَنْ يَرْجöعَ إöلَى أَهْلöهö وَيَتَزَوَّدُ لöذَلöكَ ثُمَّ يَرْجöعُ إöلَى þ þخَدöيجَةَ þ þفَيَتَزَوَّدُ لöمöثْلöهَا حَتَّى فَجöئَهُ الْحَقُّ وَهُوفöي þ þغَارö حöرَاءٍ þ þفَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بöقَارöئٍ قَالَ فَأَخَذَنöي فَغَطَّنöي حَتَّى بَلَغَ مöنّöي þ þالْجَهْدَ þ þثُمَّ أَرْسَلَنöي فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ قُلْتُ مَا أَنَا بöقَارöئٍ قَالَ فَأَخَذَنöي فَغَطَّنöي الثَّانöيَةَ حَتَّى بَلَغَ مöنّöي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنöي فَقَالَ أَقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بöقَارöئٍ فَأَخَذَنöي فَغَطَّنöي الثَّالöثَةَ حَتَّى بَلَغَ مöنّöي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنöي فَقَالَ þ (-þاقْرَأْ بöاسْمö رَبّöكَ الَّذöي خَلَقَ خَلَقَ الْإöنْسَانَ مöنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذöي عَلَّمَ بöالْقَلَمö عَلَّمَ الْإöنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ þ-)  þفَرَجَعَ بöهَا رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þتَرْجُفُ þ þبَوَادöرُهُ þ þحَتَّى دَخَلَ عَلَى þ þخَدöيجَةَ þ þفَقَالَ زَمّöلُونöي زَمّöلُونöي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ثُمَّ قَالَ þ þلöخَدöيجَةَ þ þأَيْ þ þخَدöيجَةُ þ þمَا لöي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ قَالَ لَقَدْ خَشöيتُ عَلَى نَفْسöي قَالَتْ لَهُ þ þخَدöيجَةُ þ þكَلَّا أَبْشöرْ فَوَاللَّهö لَا يُخْزöيكَ اللَّهُ أَبَدًا وَاللَّهö إöنَّكَ þ þلَتَصöلُ þ þالرَّحöمَ þ þوَتَصْدُقُ الْحَدöيثَ وَتَحْمöلُ الْكَلَّ وَتَكْسöبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرöي الضَّيْفَ وَتُعöينُ عَلَى نَوَائöبö الْحَقّö فَانْطَلَقَتْ بöهö þ þخَدöيجَةُ þ þحَتَّى أَتَتْ بöهö þ þوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلö بْنö أَسَدö بْنö عَبْدö الْعُزَّى þ þوَهُوابْنُ عَمّö þ þخَدöيجَةَ þ þأَخöي أَبöيهَا وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فöي الْجَاهöلöيَّةö وَكَانَ يَكْتُبُ الْكöتَابَ الْعَرَبöيَّ وَيَكْتُبُ مöنْ الْإöنْجöيلö بöالْعَرَبöيَّةö مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبöيرًا قَدْ عَمöيَ فَقَالَتْ لَهُ þ þخَدöيجَةُ þ þأَيْ عَمّö اسْمَعْ مöنْ ابْنö أَخöيكَ قَالَ þ þوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ þ þيَا þ þابْنَ أَخöي مَاذَا þ þتَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þخَبَرَ مَا رَآهُ فَقَالَ لَهُ þ þوَرَقَةُ þ þهَذَا النَّامُوسُ الَّذöي أُنْزöلَ عَلَى þ þمُوسَى þþ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þيَا لَيْتَنöي فöيهَا þ þجَذَعًا þ þيَا لَيْتَنöي أَكُونُ حَيًّا حöينَ يُخْرöجُكَ قَوْمُكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þأَومُخْرöجöيَّ هُمْ قَالَ þ þوَرَقَةُ þ þنَعَمْ لَمْ يَأْتö رَجُلñ قَطُّ بöمَا جöئْتَ بöهö إöلَّا عُودöيَ وَإöنْ يُدْرöكْنöي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا[4].

وجاء في سيرة ابن هشام  (" ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهوابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل: قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهويطوف بالكعبة فقال يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.”)[5]

ووردت أيضا في  القرآن الكريم إشارات بذلك مما وقع للرسل من قبله صلى الله عليه وعليهم جميعا. فقد جاء في سورة الأعراف وهي السورة التي تعرض قصة البداية (الخلق) والنهاية (الحساب) والخط الموصول للرسالة منذ نوح عليه السلام.

 يقول تعالى في معرض الحديث عن لوط عليه السلام ((فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون)).

وعند ذكر شعيب عليه السلام قال تعالى ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أولتعودنّ في ملتنا، قال أولوكنا كارهين)).

 وفي سورة إبراهيم يقول تعالى ((وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أولتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)).

ونقرأ أيضا في سورة الزمر قوله عز وجل ((قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، وأرض الله واسعة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)). ونقرأ أيضا في سورة العنكبوت وهي سورة الابتلاء نقرأ قوله سبحانه مخاطبا المؤمنين ((يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون * كل نفس ذائقة الموت، ثم إلينا ترجعون)).

كان إذن صلى الله عليه وسلم مدركا ومستعدا لهذه اللحظة، لحظة الخروج من الوطن وأي وطن فإنه خير أرض الله وأحب أرض الله لله إنها مكة.

 

*      2. لماذا لم يهاجر الرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة؟

كانت الحبشة الموطن المناسب لاستقبال المضطهدين من المؤمنين الأوائل، فقد كان بها ملك عادل لا يظلم عنده أحد كما قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهويحثهم على الهجرة إلى الحبشة ((... لوخرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه...)). فلم لم يهاجر لها صلى الله عليه وسلم؟

1.إن هجرته عليه الصلاة والسلام ليست هروبا حتى يتحين الفرص لذلك ويهاجر لأول فرصة تتاح له.

2. إن الرسول الكريم ليس كغيره من الناس، إنه صاحب الرسالة وإنه أكثر الناس إيمانا بها وإنه أصبر الناس وأقواهم وأجلدهم وأقدرهم على تحمل الأذى من قومه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يشير لهذا المعنى في كثير من المرات لأصحابه ليصرفهم على مجاراته في بعض الأمور، فقد نهاهم عن الوصال مثلا، وقد كان يذكر البعض أنه صلى الله عليه وسلم أتقاهم لله وأخشاهم به، صلى الله عليه وسلم

þِ ((حَدَّثَنَا þ þجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ þ þقَالَ أَخْبَرَنَا þ þمöسْعَرñ þ þعَنْ þ þقَتَادَةَ þ þعَنْ þ þأَنَسٍ þ þقَالَ þ þقَالَ þ þيَعْنöي النَّبöيَّ þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þلَا þ þتُوَاصöلُوا þ þقَالُوا فَإöنَّكَ þ þتُوَاصöلُ þ þقَالَ فَإöنّöي لَسْتُ كَأَحَدöكُمْ إöنّöي أَبöيتُ يُطْعöمُنöي رَبّöي وَيَسْقöينöي[6]))

þِ  ((حَدَّثَنöي þ þهَارُونُ بْنُ سَعöيدٍ الْأَيْلöيُّ þ þحَدَّثَنَا þ þابْنُ وَهْبٍ þ þأَخْبَرَنöي þ þعَمْرñووَهُوابْنُ الْحَارöثö þ þعَنْ þ þعَبْدö رَبّöهö بْنö سَعöيدٍ þ þعَنْ þ þعَبْدö اللَّهö بْنö كَعْبٍ الْحöمْيَرöيّö þ þعَنْ þ þعُمَرَ بْنö أَبöي سَلَمَةَ þþأَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þأَيُقَبّöلُ الصَّائöمُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þسَلْ هَذöهö þ þلöأُمّö سَلَمَةَ þ þفَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þيَصْنَعُ ذَلöكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهö قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مöنْ ذَنْبöكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þأَمَا وَاللَّهö إöنّöي لَأَتْقَاكُمْ لöلَّهö þ þوَأَخْشَاكُمْ لَهُ [7]))

þِ (( حَدَّثَنöي þ þيَحْيَى þ þعَنْ þ þمَالöك þ þعَنْ þ þزَيْدö بْنö أَسْلَمَ þ þعَنْ þ þعَطَاءö بْنö يَسَارٍ þ þأَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوصَائöمñ فöي رَمَضَانَ فَوَجَدَ مöنْ ذَلöكَ وَجْدًا شَدöيدًا فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلöكَ فَدَخَلَتْ عَلَى þ þأُمّö سَلَمَةَ زَوْجö النَّبöيّö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þفَذَكَرَتْ ذَلöكَ لَهَا فَأَخْبَرَتْهَا þ þأُمُّ سَلَمَةَ þ þأَنَّ رَسُولَ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þيُقَبّöلُ وَهُوصَائöمñ فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بöذَلöكَ فَزَادَهُ ذَلöكَ شَرًّا وَقَالَ لَسْنَا مöثْلَ رَسُولö اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þاللَّهُ يُحöلُّ لöرَسُولö اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þمَا شَاءَ ثُمَّ رَجَعَتْ امْرَأَتُهُ إöلَى þ þأُمّö سَلَمَةَ þ þفَوَجَدَتْ عöنْدَهَا رَسُولَ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þفَقَالَ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þمَا لöهَذöهö الْمَرْأَةö فَأَخْبَرَتْهُ þ þأُمُّ سَلَمَةَ þ þفَقَالَ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þأَلَا þ þأَخْبَرْتöيهَا أَنّöي أَفْعَلُ ذَلöكَ فَقَالَتْ قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إöلَى زَوْجöهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ ذَلöكَ شَرًّا وَقَالَ لَسْنَا مöثْلَ رَسُولö اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þاللَّهُ يُحöلُّ لöرَسُولöهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þمَا شَاءَ فَغَضöبَ رَسُولُ اللَّهö þ þصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ þ þوَقَالَ þ þوَاللَّهö إöنّöي لَأَتْقَاكُمْ لöلَّهö وَأَعْلَمُكُمْ بöحُدُودöهö [8])).

3. وإنه صلى الله عليه وسلم كان في منعة من قومه، فقد عصمه العزيز الحكيم من قومه بما يسره له من حماية عمه أبي طالب،  فقد ورد في سيرة ابن هشام

((قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هوفيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لوخرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة ، مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام [9].:)).

بل سنجد عمه العباس رضي الله عنه وهولا يزال على دين قومه يحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهويأخذ العهد من الأنصار بالنصرة ليسثوتق لابن أخيه، فقد جاء في السيرة لابن هشام:

 ((قال فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه (عمه) العباس بن عبد المطلب، وهويومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال يا معشر الخزرج - قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها -: إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا، ممن هوعلى مثل رأينا فيه فهوفي عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه. فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. [10]))

4. زد على ذلك أن مكة ظلت محافظة على استقلالها بمنأى عن التدخلات الخارجية فكيف له صلى الله عليه وسلم أن يلجأ لقوة خارجية. وهذا التمنع عن التدخل الخارجي والاستقلال عنه يعد ميزة لمكة ومنة امتن سبحانه وتعالى بها على أهلها. فقال تعالى في سورة الفيل ((ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل* ألم يجعل كيدهم في تضليل*.....))

4. ثم إن الحبشة لم تكن مهيأة لأن تكون المحضن الأول للدعوة المحمدية، وللمرء أن يتصور مسار الدعوة لوأنه صلى الله عليه وسلم هاجر إلى الحبشة، فالوضع في الحبشة كان غير مستقر بحكم الصراع الذي كان دائرا على الملك هناك، ومما أورده ابن هشام في السيرة  يشير كيف تم اغتيال أب النجاشي وكيف تم السعي إلى التخلص من النجاشي نفسه وهوصغير، ثم يعاد إرجاعه وكيف كان يُحارب من أجل تنحيته حتى أن المهاجرين من المؤمنين كان يهمهم نصر النجاشي وكانوا يدعون له بالنصر وهوالذي آواهم ومنعهم من قريش التي أرسلت له ورشته لتسليمهم لها:  

·         قتل أبي النجاشي وتولية عمه:

((قال ابن إسحاق: قال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل تدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟ قال قلت: لا ; قال فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه ولم يكن له ولد إلا النجاشي،

وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر رجلا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة س بينها: لوأنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلا، فتوارثوا ملكه من بعده بقيت الحبشة بعده دهرا ; فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه فمكثوا على ذلك حينا[11].))

·         غلبة النجاشي عمه على أمره وسعي الأحباش لإبعاده:

((ونشأ النجاشي مع عمه وكان لبيبا حازما من الرجال فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة فلما رأت الحبشة مكانه (منه) قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا، قال ويلكم قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم بل أخرجه من بلادكم.

قالت فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بست مئة درهم فقذفه في سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته. قالت ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هومحمق ليس في ولده خير فمرج على الحبشة أمرهم[12].))

·         توليه (أي النجاشي) الملك برضا الحبشة:

((فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض تعلموا والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه (الآن). قالت فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه فأخذوه منه ثم جاءوا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك فملكوه[13]))

·         فرح المهاجرين بنصرة النجاشي على عدوه:

 (" قالت فوالله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. قالت فوالله ما علمتنا حزنا حزنا قط كان أشد (علينا) من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه.

قالت وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل ، قالت فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. قالت فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم.

قالت فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده. قالت فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هوكائن إذ طلع الزبير وهويسعى، فلمع بثوبه وهويقول ألا أبشروا، فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله عدوه ومكن له في بلاده. قالت فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها.

قالت ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة ، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوبمكة.[14]“)

ولم يكن الحبشة مستعدين لمتابعة النجاشي في عطفه على المؤمنين المهاجرين والإيمان بما آمنوا به بل إنهم تصدوا له حينما شكوا في أتباعه للدين الجديد فاحتال  وكتم عليهم ليستمر في ملكه.

·         خروج الحبشة على النجاشي:

قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي إنك قد فارقت ديننا وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ; ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة، وصفوا له فقال يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى ; قال فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة قال فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد قال فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هوابن الله

فقال النجاشي، ووضع يده على صدره على قبائه هويشهد أن عيسى بن مريم، لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعني ما كتب فرضوا وانصرفوا (عنه) [15].))

*      3. لماذا انتظر مشركوقريش ثلاثة عشرة سنة ليفكروا في قتله صلى الله عليه وسلم؟

لماذا قررت قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد مضي ثلاث عشرة سنة، وكيف لم تفعل ذلك في السنوات الأولى؟

هذا السؤال نجد إجابة عليه في سيرة ابن هشام، حيث نقرأ:

((قال ابن إسحاق: ولما رأت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنهم قد أجمع لحربهم [16].)).

 إذن، فإن دواعي قريش إلى الإقدام على قتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يمكن إجمالها في ما يلي:

1.      فقد علمت قريش أن محمدا صلى الله عليه وسلم أصبحت له شيعة وأصحاب من غيرهم في بلد غير بلدهم فأدركوا أن أمره أخد بعدا آخر فخافوه واجتمعوا يتشاورون في شأنه، يروي ابن هشام في ذلك: ((فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه.[17])).

2.      وأدركت قريش أيضا أنها لم تعد تأمن على نفسها منه ((فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا [18])) خصوصا أنهم علموا أن وفدا من أهل يثرب قد بايعوه على الحرب، فقد جاء في سيرة ابن هشام:  ((قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال ((أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال نعم والذي بعثك بالحق (نبيا) لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا (عن كابر) قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوالهيثم بن التيهان، فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم[19]))

قال ابن هشام: وقال الهدم الهدم: (يعني الحرمة) أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم؟.))

وقد كان الأنصار المبايعون يدركون حجم المسؤولية وثقل الالتزام واقرأ معي ما أورده ابن إسحاق في سيرته هذا التأكيد والتوضيح من العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أحد من شهد البيعة:

((قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخوبني سالم بن عوف يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهووالله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهووالله خير الدنيا والآخرة قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا (بذلك) قال الجنة. قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه [20])).

ولأن الأنصار أدركوا ذلك فقد استعجل المبايعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاء وأردوا أن يميلوا على أهل منى بسيوفهم، غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرفهم عن ذلك: (( قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا إلى رحالكم. قال فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر. بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. قال فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا [21].))

بل إنه صباح اليوم التالي من إبرام البيعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار، سارعت  قريش إلى التأكد من صحة ما بلغهم عما وقع بين الطرفين بالليل، يشير لهذا ابن هشام في السيرة بقوله:

(((قال): فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه. قال وقد صدقوا، لم يعلموه. قال وبعضنا ينظر إلى بعض. قال ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان له جديدان قال فقلت له كلمة - كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا -: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال والله لتنتعلنهما. قال يقول أبوجابر مه أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه. قال قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح لئن صدق الفأل لأسلبنه.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر: أنهم أتوا عبد الله بن أبي ابن سلول فقالوا له مثل ما قال كعب من القول فقال لهم (والله) إن هذا الأمر جسيم ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا، وما علمته كان. قال فانصرفوا عنه.[22]))

ثم إن قريشا بعد تأكدهم من أن الخبر(البيعة) قد كان، بادرت للخروج في طلب الأنصار الذين رحلوا بعد المبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم متوجهين إلى ديارهم بيثرب، وفعلا أمسكوا بسعد بن عبادة وفر منهم المنذر بن عمرو، وفي ذلك يروي ابن هشام في السيرة: 

((قال ونفر الناس من كل منى، فتنطس القوم الخبر، فوجدوه قد كان وخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير.[23])).

 غير أنه لم يمكث طويلا حتى تخلص سعد بن عبادة رضي الله عنه منهم بعد أن أدركت قريش أنها ترتكب حماقة بمسكه وهومن قوم لهم سطوة على الطريق التي تمر بها قوافلهم:

((قال سعد فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلومن الرجال قال فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا، قال فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة. قال فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير. قال فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال قلت: بلى، والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما. قال ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارا؟ قالا: ومن هو؟ قال سعد بن عبادة ; قالا: صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم فانطلق. وكان الذي لكم سعدا، سهيل بن عمروأخا بني عامر بن لؤي.

قال ابن هشام: وكان الرجل الذي أوى إليه أبا البختري بن هشام[24])).

لهذه الأسباب قرر الملأ من قريش التخلص من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وانظر كيف احتالت للأمر، فنقرأ في سيرة ابن هشام ما يلي (( قال أرى (يعني أبوجهل) أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه. فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنوعبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. [25]))، إذ كانت هناك تقاليد وأعراف لم يكن ممكنا تجاوزها، فليرغموا أهل القتيل على قبول الدية والامتناع عن الثأر من القاتل وقبيلته رأوا أن يكون القتل جماعيا.

*      4. لماذا هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة؟

1. ينبغي الإشارة أولا أنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا علي بن أبي طالب، وأبوبكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنهما أومن حبس أوفتن من المسلمين. وكان قد أمر أصحابه وأذن لهم بالهجرة قبله إلى المدينة؟

 قال ابن إسحاق(...) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال (إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها) فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة ، والهجرة إلى المدينة  [26] ").

2.      لقد هاجر صلى الله عليه وسلم بعد أن أُذن له في القتال وبعد أن أخد البيعة من الأنصار هذه المرة بيعة حرب بينما كانت البيعة الأولى منهم على بيعة النساء قبل نزول الإذن بالقتال، وفي هذا الصدد يروي ابن هشام ما يلي:

* (("   قال ابن إسحاق: فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه. وأوى إليهم من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال (إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها) فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة ، والهجرة إلى المدينة [27]))

نزول الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال:

(" بسم الله الرحمن الرحيم. قال حدثنا أبومحمد عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم فهم من بين مفتون في دينه ومن بين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فرارا منهم منهم من بأرض الحبشة ، ومنهم من بالمدينة ، وفي كل وجه فلما عتت قريش على الله عز وجل وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله تبارك وتعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور )-: أي أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة )أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه (ويكون الدين لله )أي حتى يعبد الله لا يعبد معه غيره.[28]“)

* شروط البيعة الأولى:

 ((قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن (أبي) مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت، قال (كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة. وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر[29])).

((قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري، عن عائذ الله بن عبد الله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك (شيئا) فأخذتم بحده في الدنيا، فهوكفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر[30]))

* شروط البيعة الأخيرة:

قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب حين أذن الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في القتال شروطا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في الحرب فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة.

قال ابن إسحاق: فحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد عن جده عبادة بن الصامت، وكان أحد النقباء، قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب - وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء - على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم [31].))

لقد كان الإذن بالقتال والرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، لكنه لم يقاتل حتى خرج وهاجر إلى المدينة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليشعلها حربا في داخل مكة، ولنا أن نتصور كيف كان سيكون الحال لوتم القتال داخل مكة. وقد سبق أن أشرنا كيف أن الأنصار هموا أن يميلوا على أهل منى بسيوفهم وصرفهم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن القتال سيكون بين جيشين، وإن القتال له أخلاقه وآدابه، فلا يقتل صبي ولا شيخ ولا تقتل امرأة ولا يقاتل من لا يحمل السيف بل لا تقطع شجرة. وهكذا سنجد الرسول صلى الله عليه وسلم يبدأ مناوشاته واعتراضه قوافل قريش بمجرد هجرته إلى المدينة، فلم ينتظر أكثر من سبعة أشهر ليبعث بحمزة بن عبد المطلب في أول لواء يعقده صلى الله عليه وسلم، ثم توالت السرايا إلى أن قدّر الله معركة بدر، هذه المعركة الفاصلة والتي لم تكن مقصودة في البداية، يروي الواقدي رحمه الله في كتابه المغازي:

 ("قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من شهر ربيع الأول ويقال لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول والثابت لاثنتي عشرة. فكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم يعترض لعير قريش.

ثم لواء عبيدة بن الحارث في شوال على ثمانية أشهر من الهجرة إلى رابغ - وهي على عشرة أميال من الجحفة وأنت تريد قديدا - وكانت في شوال على رأس تسعة أشهر.

ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار، على رأس تسعة أشهر في ذي القعدة. ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر على رأس أحد عشر شهرا، حتى بلغ الأبواء ; ثم رجع ولم يلق كيدا، وغاب خمس عشرة ليلة.

ثم غزا بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، يعترض لعير قريش، فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير ثم رجع ولم يلق كيدا - وبواط هي من الجحفة قريب.

ثم غزا في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، في طلب كرز بن جابر الفهري حتى بلغ بدرا، ثم رجع. ثم غزا في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا، يعترض لعيرات قريش حين بدت إلى الشام، وهي غزوة ذي العشيرة، ثم رجع فبعث عبد الله بن جحش إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا.

ثم غزا بدر القتال صبيحة سبع عشرة من رمضان يوم الجمعة على رأس تسعة عشر شهرا. ثم سرية عصماء بنت مروان، قتلها عمير بن عدي بن خرشة. حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضل عن أبيه أنه قال قتلها لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهرا. ثم سرية سالم بن عمير، قتل أبا عفك في شوال. على رأس عشرين شهرا. ثم غزوة قينقاع في النصف من شوال على رأس عشرين شهرا.[32]“)

3. ولم يهاجر صلى الله عليه وسلم  إلا في آخر لحظة، حتى قررت قريش قتله حينها أذن الله تعالى له بالهجرة بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

* حتى آخر لحظة: ((وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أوفتن إلا علي بن أبي طالب، وأبوبكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنهما، وكان أبوبكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم” (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا”، فيطمع أبوبكر أن يكونه[33]))).

* ليلة المؤامرة: ((قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر  رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتلة فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش،

 من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبوسفيان بن حرب. ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، والحارث بن عارم بن نوفل  ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة. ومن بني أسد بن عبد العزى: أبوالبختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب وحكيم بن حزام.

ومن بني مخزوم: أبوجهل بن هشام. ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش.

 فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا [34]))

وبدأت المشاورات في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت الاقتراحات التالية:

* اقتراح حبسه صلى الله عليه وسلم: ((قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي. والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره فتشاوروا [35]،))

* اقتراح إخراجه صلى الله عليه وسلم: ((ثم قال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به والله لوفعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد دبروا فيه رأيا غير هذا.[36]))

* اقتراح قتله صلى الله عليه وسلم: ((قال فقال أبوجهل بن هشام والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا: وما هويا أبا الحكم؟ قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه. فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنوعبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. قال فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هذا الرأي الذي لا رأي غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له.[37]))

* وجاء جبريل عليه السلام: ((فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب” نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم”، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.[38]))

* تنفيذ الخطة واستهزاء أبوجهل: ((قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال لما اجتمعوا له وفيهم أبوجهل بن هشام فقال وهم على بابه إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.[39]))

* خروجه صلى الله عليه من بيته ونجاته من المؤامرة: ((قال وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال” أنا أقول ذلك أنت أحدهم”، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهويتلوهؤلاء الآيات من يس: ((يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم ))إلى قوله ((فأغشيناهم فهم لا يبصرون ))حتى فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا، قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم؟  قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي - رضي الله عنه - عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا[40])).

وتأمل معي يرحمك الله كيف أن هؤلاء الذين جاءوا ليقتلون الرسول صلى الله عليه وسلم، وقفوا عند الباب ولم يتجاوزوه، فرغم أنهم كانوا يرونه نائما لم يقتحموا عليه بيته وانتظروه حتى يخرج إليهم.  ما بالهم لم يهجموا عليه داخل البيت ويقتلوه؟ ما الذي منعهم من الإقدام على ذلك؟ يجيبنا عن سر هذا التصرف الإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي في كتابه الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام فيقول رحمه الله: ((وأما قوله على بابه يتطلعون فيرون عليا وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظنونه إياه فلم يزالوا قياما حتى أصبحوا، فذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم من التقحم عليه في الدار مع قصر الجدار وأنهم إنما جاءوا لقتله فذكر في الخبر أنهم هموا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار فقال بعضهم لبعض والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمتنا، فهذا هوالذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج[41])).

لقد كانت للعرب أخلاق وتقاليد يحترمونها ويعظمونها، وهذا ما يحيلنا على السؤال الأخير الذي طرحنها في بداية هذا البحت.

*      . إذا كان الإسلام رسالة للعالمين فلماذا كانت البداية من مكة؟

لماذا لم تكن البداية من الحبشة أومن الفرس أومن الروم أومن غيرها، هل لمكة مؤهلات لا تتوافر لغيرها فحازت الشرف وكانت نقطة الانطلاق للإسلام إلى العالم كله؟

1. الاستقلال والبعد عن الأطماع والتدخلات الخارجية:

(("وقالوا إن تبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57)”)) سورة القصص

((" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بöأَصْحَابö الْفöيلö (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فöي تَضْلöيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهöمْ طَيْرًا أَبَابöيلَ (3) تَرْمöيهöم بöحöجَارَةٍ مّöن سöجّöيلٍ (4)فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (5)")) سورة الفيل

3.      الحرية:

((" ولكن هذا المجتمع القائم على أساس المساواة والحرية العامة يتكشف مع ذلك عن نزاعات متعددة نحوتمركز السلطة. وإنما ترتضي العشائر أوالقبائل لزعامتها رجالا استطاعوا بسجاياهم وكفاءاتهم أن ينتزعوا اعتراف الناس بتقدمهم، عن رضا وطيب نفس. وعلى الرغم من أن هذه المرتبة كثيرا ما تنتقل من الأب إلى الإبن فيتعين على هذا الأخير أن يحققها لنفسه بأن يقيم الدليل مستقبلا على شدة بأسه وقوة مراسه. وليس لهؤلاء الزعماء (السادة) حقوق فعلية على الإطلاق وإن تكن نزعة الناس إلى الاستماع لهم في المجالس العامة أقوى من نزعتهم إلى الاستماع لغيرهم. أما واجباتهم فهي على العكس كبيرة متعددة. إنهم في حال الحرب خليقون بأن يكونوا أبدا على استعداد للتحية بأرواحهم وهم في حال السلم خليقون بأن يضحوا بما تملكه أيديهم في خدمة القبيلة وابتغاء إغاثة المعوزين من أفرادها ولكن مهمتهم الرئيسية أن يحافظوا على وحدة القبيلة التي كثيرا ما تتهددها المصالح الشخصية بأعظم الأخطار."))[42]  

الحنفية:

ورقة بن نوفل بن أسد بن العزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث  وزيد بن عمروبن نفيل

((" قال ابن إسحاق: <379> واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، ثم قال بعضهم لبعض تصادقوا، وليكتم بعضكم على بعض قالوا: أجل وهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب. وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وزيد بن عمروبن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، فقال بعضهم لبعض تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟ يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. <380> فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علما من أهل الكتاب وأما عبيد الله بن جحش، فأقام على ما هوعليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا."))[43]

في حديث رواه الإمام البخاري رحمه الله:

((" قال موسى حدثني سالم بن عبد الله ولا أعلمه إلا تحدث به عن بن عمر: (أن زيد بن عمروبن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني فقال لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنى أستطيعه فهل تدلني على غيره قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا قال زيد وما الحنيف قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله فقال لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا وأنى أستطيع فهل تدلني على غيره قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا قال وما الحنيف قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج فلما برز رفع يديه فقال اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم" [44])).
* أمية بن أبي الصلت

 ((" حدثنا عمروالناقد وابن أبي عمر كلاهما عن بن عيينة قال بن أبي عمر حدثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عمروبن الشريد عن أبيه قال: (ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيئا قلت نعم قال هيه فأنشدته بيتا فقال هيه ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت"))[45]

* زيد بن عمروبن نفيل:

 -حدثني محمد بن أبي بكر حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثنا سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمروبن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أن يأكل منها ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه وأن زيد بن عمروكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له))[46]-

 (("وقال الليث كتب إلي هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (رأيت زيد بن عمروبن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معاشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحيي الموؤودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها أنا أكفيكها مؤونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها))[47]

اليهود في يثرب

((" تذكر المصادر التاريخية روايات كثيرة مختلفة لوجود اليهود في يثرب في العصر الجاهلي وتجمع على أنهم جاؤوا إليها من خارج الجزيرة العربية في عدة هجرات متوالية:  الأولى في سنة 589 ق م عندما اقتحم بختنصر البابلي أورشليم ودمر الهيكل وسبى معظم أهلها فهرب جماعة منهم وساروا إلى بلاد الحجاز ونزلوا (يثرب). الهجرة الثانية ما بين عامي 66 -70 م عندما هاجم القائد الروماني تيتوس فلسطين ودمر أورشليم ثانية وشتتهم وأغرق عدداً كبيراً منهم في بحيرة لوط ففر الناجون إلى الحجاز ووصلوا (يثرب) وأقاموا فيها مع من سبقهم. الهجرة الثالثة عام 132م عندما أرسل الإمبراطور الروماني هارديان جيشاً إلى فلسطين فأخرجهم منها ومنعهم من دخولها نهائياً وفر من نجا منهم إلى جزيرة العرب.  وكانت (يثرب) عندما جاءها أشتات اليهود الهاربين عامرة بمجتمع يضم قبائل عربية بعضها بقية من العماليق وبعضها قبائل توافدت من أطراف (يثرب) القريبة والبعيدة. وأول من وصل (يثرب) من اليهود ثلاث قبائل هم بنوقريظة وبنوالنضير وبنوقينقاع، ثم تبعتهم قبائل أخرى ونزلت بنوالنضير عند وادي (بطحان) وبنوقريظة عند وادي (مهزور) وبنوقينقاع في الوسط، ثم انتشروا في أخصب بقاع المنطقة. وقد سالموا العرب المقيمين في يثرب أول الأمر وأحسنوا التعامل معهم وانهمكوا في زراعتهم وبعض الصناعات التي كانوا يتقنونها، ودفعوا لرؤساء القبائل المجاورة إتاوة مقابل عدم مهاجمتهم، وأقاموا تجمعات مغلقة وبنوا الحصون والآطام، وجمعوا ثروات كبيرة وكان أحبارهم يختصون بالأمور الدينية ويحكمون فيما يقع بينهم من خصومات. وقد اهتموا بزراعة النخل واتسعت زراعتهم وكثرت آطامهم وانتشرت في الأطراف الشرقية والجنوبية من يثرب (...)"))[48]

3.عدم وجود سلطة مركزية:

((" كان العنصر البدوي إذن العنصر السائد في الجزيرة العربية ولقد انتظم هؤلاء البدوفي قبائل وهم لا يتقبلون سلطانا عليهم أوهم لا يذعنون إلا لسلطة تحكيمية معنوية يتمتع بها شيخهم المختار الذي يحيط به بعض أشراف القوم. وكان تضامنهم القبلي يعوضهم عما يشعرون به من شوق بالغ إلى الحرية ويدفعهم إلى القيام بغزوات تكاد تكون مستمرة بين القبائل طلبا للثأر أوطمعا في الغزووالغنائم"))[49]

 (" لقد حاول بعض رؤسائها ووجوهها التحكم بأمر مكة،. وإعلان نفسه ملكاً عليها محلي رأسه بالتاج شأن الملوك المتوّجين، ولكنه لم يفلح ولم ينجح. حتى ذكر آن بعضهم التجأ إلى الغرباء، لمساعدتهم بنفوذهم السياسي والمادي والعسكري في تنصيب أنفسهم ملوكاً علها، فلم ينجحوا، كالذي ذكروه عن”عمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى"، المعروف ب”البطريق"، من انه طمع في ملك مكة، فلما عجز عن ذلك، خرج إلى قيصر، فسأله إن يملّكه على قريش، وقال: احملهم على دينك، فيدخلون في طاعتك، ففعل، وكتب له عهداً وختمه بالذهب، فهابت قريش”قيصر" وهمّوا إن يدينوا له، ثم قام الأسود بن المطلب، أبوزمعة، فصاح، والناس في الطواف" إن قريشاً لقاح! لا تملك ولا تملك، وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى" ألا إن مكة حي لقاح، لا تدين لملك. فاتسعت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان مما جاء له، ولم يتم له مراده، فمات عند ابن جفنة. فاتهمت بنوأسد ابن جفنة بقتله. وابن جفنة هوعمروبن جفنه الغساني"))[50]

((" رفض تسليم الوليد لتقتله قريش

قال ابن إسحاق: وحدثني الزبير بن عكاشة بن عبد الله بن أبي أحمد أنه حدث أن رجلا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد، وكانوا قد أجمعوا على أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا، منهم سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. قال فقالوا له - وخشوا شرهم إنا قد أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي أحدثوا، فإنا نأمن بذلك في غيرهم. قال هذا، فعليكم به. فعاتبوه وإياكم ونفسه.

وأنشأ يقول

ألا لا يقتلن أخي عييش

 

فيبقى بيننا أبدا تلاحي

<89> احذروا على نفسه فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلا. قال فقالوا: اللهم العنه. من يغرر بهذا الخبيث فوالله لوأصيب في أيدينا لقتل أشرفنا رجلا. قال فتركوه ونزعوا عنه قال وكان ذلك مما دفع الله به عنهم."))

((" خبر الصحيفة

<129> قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر قد أسلم، فكان هووحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وجعل الإسلام يفشوفي القبائل اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم، وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي - قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه.

قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنوهاشم وبنوالمطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم: أبولهب عبد العزى بن عبد المطلب، إلى قريش، فظاهرهم.”))

4.أخلاق الجوار: (حماية الضعيف)

أبوسلمة في جوار أبي طالب

<158>(("  قال ابن إسحاق: وأما أبوسلمة بن عبد الأسد، فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة أنه حدثه أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب مشى إليه رجال من بني مخزوم، فقالوا: يا أبا طالب لقد منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال إنه استجار بي، وهوابن أختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبولهب فقال يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه والله لتنتهن عنه أولنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. قال فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبقوا على ذلك فطمع فيه أبوطالب حين سمعه يقول ما يقول ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم –"))

أبوبكر يرد جوار ابن الدغنة

((" قال ابن إسحاق: وقد كان أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - كما حدثني: <159> محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، (عن عائشة رضي الله عنهما، حين ضاقت عليه مكة ، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فأذن له فخرج أبوبكر مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أويومين لقيه ابن الدغنة أخوبني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وهويومئذ سيد الأحابيش)  قال ابن إسحاق: والأحابيش: بنوالحارث بن عبد مناة بن كنانة والهون بن خزيمة بن مدركة وبنوالمصطلق من خزاعة. قال ابن هشام: تحالفوا جميعا، فسموا الأحابيش للحلف.  ويقال ابن الدغينة. قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة عن ((عائشة قالت فقال ابن الدغنة أين يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومي وآذوني، وضيقوا علي قال ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم ارجع وأنت في جواري، فرجع معه حتى إذا دخل مكة ، قام ابن الدغنة فقال يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير. قالت فكفوا عنه.”))

4.      سلطان الكلمة: (سلطة الشعر)

 -أخبرنا أبوالحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد الصفار ثنا ابن ملحان حدثني يحيى بن بكير ثنا الليث عن خالد يعني ابن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عمارة بن غزية عن محمد بن ابراهيم عن أبي سلمة

ا بن عبد الرحمن ع: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، ثم قال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول الله قد محض لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة رضي الله عنها: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هجاهم حسان فشفى واشتفى، فقال حسان [ الوافر ]:

هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدا برا حنيفا رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأسنة مشرعات على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم يعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبدا يقول الحق ليس به خفاء
وقال الله قد أرسلت جندا هم الأنصار عزمتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد سباء أوقتال أوهجاء
فمن يهجورسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء.))[51]

((" كان الشعر في المرحلة المعنية يشارك في العنف والقتل كمظهرين أساسيين لمنطق اقتصادي خاص:

«منطق يمنع عن نفسه تكديس الثروات. تراكمه الوحيد الصالح هورأس مال الشرف الذي يحصل عليه الفرد في التحدي والعنف المحقق والمشيد على شكل شفرة اجتماعيةº عنف كان يعبر عن نفسه بالفعل في الغزو(أخذ غنائم الخصم) وبالكلمة في الشعر (اقتلاع الاكتئاب بإحياء دورة العنف)» (غرانغيوم، 1990).

والشعراء أنفسهم كانوعلى وعي بأهمية كلمتهم في هذا السياق: فالقافية، عند الخنساء، تشبه حد السنان:

«نبئتُ قافية مثل حد السنِا    ن تبقى ويهلك صاحبهِا»

وترك الندب في أعراض الخصم، كما قال الشاعر:

«نبئت قافية تناشدهِا قوم     سأترك في أعراضهم ندبِا»

واللسان يجرح: «وجرح اللسان كجرح اليد»، بل جرحه أخطر من جراح السنان لأنه لا يلتئم بالمرة:

«جراحات السنان لها التئام    ولا يلتام ما جرح اللسِان»

أي شيء كان يصيبه الشعر في العربي لكي يعتبر وقع السلاح على جسمه أقل وطأة من وقع الكلمة في نفسه؟

في معرض حديثه عن أهمية الكلمة، يقول فرويد:

«لا نحتقر الكلمة ! إنها أداة للسلطة (...) حقا في البدء كان الفعل، أما الكلمة فلم تأت إلا فيما بعد. لقد حققت الحضارة تقدما كبيرا حينما تمكن الفعل من الاعتدال إلى أن أصبح كلمة. لكن هذه الأخيرة كانت في الأصل سحرا، فعلا سحريا، وقد حافظت على الكثير من قوتها القديمة» (ووننبرغ: 280-283).

وبالرجوع إلى الدلالة اللغوية لكلمة «شعر» نجدها تعني الفطنة والعلم، لكنه اتعني أيضا القافية، هذا المصطلح المشتق من الجذر (قفا) كان يطلق على الكلمة أوالبيت أوالقصيدة، على الضرب على القفا، وعلى تتبع الأثر. وإذا كانت الدلالة الثانية (ضرب القفا) تعيدنا من جديد إلى الصلة بين الشعر والعنف، فإن الدلالة الأخيرة (تتبع الأثر) تشير إلى قرابة بين الشعر والكهانة والعرافة: الكهانة والعرافة هما الآخران يدلان على المعرفة، والقيافة ضرب من التنبؤ بالغيب يتمكن صاحبه من التعرف على الشيء انطلاقا من مشاهدة أثره (القزويني: 344-345)."))[52]

وجاء في جمهرة أشعار العرب لأ بي زيد القرشي:

((" قال: وأخبرنا محمد بن عثمان الجعفري عن عبد الرحمن بن محمد عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: أتى حسان بن ثابت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن أبا سفيان بن الحارث هجاك، وأسعده على ذلك نوفل بن الحارث وكفار قريش، أفتأذن لي أهجوهم يا رسول الله؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: فكيف تصنع بي؟ فقال: أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين! قال له: اهجهم وروح القدس معك، واستعن بأبي بكر، فإنه علامة قريش بأنساب العرب، فقال حسان يهجونوفل بن الحارث: الطويل

وإنّ وُلاةَ المَجدö مöِنْ آلö هِاشِمٍ

 

بَنُوبöنْتö مَخْزُومٍ، ووالدك العَِبِْدُ

وما وَلَدَتْ أَبْناءُ زُهِرَةَ مöِنِْهُِمُ

 

صَممْيماً، ولم يلحقْ عَجائزَكَ المَجدُ

فأنتَ لئيمñ نöِيْطَ فِي آلö هِاشöِمٍ،

 

كما نöيْطَ خلفَ الرَّاكöبö القَدَحُ الفَرْدُ

قال: فلما أسلم أبوسفيان بن الحارث قال له النبي، صلى الله عليه وسلم: أنت مني وأنا منك، ولا سبيل إلى حسان.
وأخبرنا أبوالعباس عن أبي طلحة عن بكر بن سليمان يرفع الحديث إلى عبد الله بن مسعود قال: بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، أن قوماً نالوا أبا بكر بألسنتهم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! ليس أحدñ منكم أمن علي في ذات يده ونفسه من أبي بكر، كلكم قال لي: كذبت، وقال لي أبوبكر: صدقت، فلوكنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبا بكرٍ خليلاً. ثم التفت إلى حسان فقال: هات ما قلت في وفي أبي بكر، فقال حسان: قلت يا رسول الله: البسيط

إذا تَذَكّرتَ شَجْواً مöِنْ أَخٍ ثöِقَةٍ،

 

فَاذْكُرْ أَخَاكَ أبا بَكرٍ بما فَِعَِلا

التَّاليَ الثّانيَ المَحْمُود شöِيْمَِتُِهُ،

 

وأَوَّلُ النّاسö طُرَّاً صَدَّقَ الرُّسُِلا

والثّاني اثنَينö في الغارö المُنيفö، وَقَدْ

 

طافَ العدوبه إذْ صَعَّدَ الجَِبَِلا

وكانَ حöبَّ رَسولö اللَّهö، قد عَلöموا،

 

مöنَ البَرöيَّةö، لم يَعْدöلْ بِه رَجُِلا

خَيرُ البَرöيَّةö أتقِاهِا وَأَرْأَفُِهِا،

 

بَعْدَ النّبيّ، وأوْفاها بمِا حَِمَِلا

فقال، صلى الله عليه وسلم: صدقت يا حسان، دعوا لي صاحبي! قالها ثلاثاً.

وعن الشعبي قال: لما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن كعب بن زهير بن أبي سلمى هجاه ونال منه، أهدر دمه، فكتب إليه أخوه بجير بن زهير، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، يعلمه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد قتل بالمدينة كعب بن الأشرف، وكان قد شبب بأم الفضل بن العباس وأم حكيم بنت عبد المطلب، فملا بلغه كتاب أخيه ضاقت به الأرض ولم يدر فيما النجاة، فأتى أبا بكر، رضي الله عنه، فاستجاره، فقال: أكره أن أجير على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أهدر دمك، فأتى عمر، رضي الله عنه، فقال له مثل ذلك، فأتى علياً، رضي الله عنه، فقال: أدلك على أمرٍ تنجوبه. قال: وما هو؟ قال: تصلي مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإذا انصرف فقم خلفه، وقل: يدك يا رسول الله أبايعك! فإنه سيناولك يده من خلفه، فخذ يده فاستجره، فإني أرجوأن يرحمك، ففعل، فلما ناوله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يده استجاره، وأنشد قصيدته التي يقول فيها: البسيط

وقالَ كلُّ خَليلٍ كنتُ آمُِلُِهُ:

 

لا أُلهينّك إنّي عنكَ مَشغُِولُ

فقُلتُ: خلّوا سَبيلي، لا أبا لكُمُ،

 

فكلّ ما قَدّرَ الرّحمَنُ مَفعُولُ

أُنبöئتُ أنّ رسولَ اللَّه أوعَدَني،

 

والعَفوعندَ رَسولö اللَّهö مأمولُ

فلما فرغ منها قال له النبي، صلى الله عليه وسلم: أذكر الأنصار! فقال: الكامل

مَنْ سَرّهُ كَرمُ الحَياةö فِلا يزَلْ

 

في مöقنَبٍ مöنْ صالحي الأنصارö

النّاظرينَ بöأَعِْيُنٍ مُِحِْمَِرَّةٍ

 

كالجَمْرö غيرö كَليلَةö الأبِصِارö

فالغُرُّ مöنْ غَسَّانَ في جُرْثُِومَةٍ

 

أَعْيَتْ مَحافöرها على المنْقِارö

صالوا علَينا يومَ بَِدْرٍ صَِولَةً

 

دَانَتْ لöوَقْعَتöها جِمِيعُ نöِزارö

وذكر محمد بن عثمان عن مطرف الكناني عن ابن دأب عن أبي لهذم العنبري عن الشعبي بإسناده قال: أنشد نابغة بني جعدة النبي، صلى الله عليه وسلم، هذا البيت: الطويل

بَلغنا السّما مَجداً وجُوداً وسُؤدداً،

 

وإنّا لَنرجوفَوقَ ذلكَ مَظهَِرَا

فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إلى أين، يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنّة بك يا رسول الله! قال: نعم، إن شاء الله، فلما أنشده:

ولا خَيرَ في حöلْمöٍ إذا لم تكن لِهُ

 

بَوادöرُ تَحميْ صَفوَهُ أن يُكَِدَّرَا

ولا خَيرَ في جَهْلٍ، إذا لم يكن لهُ

 

حَليمñ، إذا ما أَورَدَ الأمرَ أَصْدَرَا

قال له النبي: صلى الله عليه وسلم: لا فض الله فاك! فبنوجعدة يزعمون أنه كان إذا سقطت له سنñ نبتت مكانها أخرى. وغيرهم يزعم أنه عاش ثلاثمائة عامٍ ولم تسقط له سنّñ حتى مات: وبإسناده عن سعيد بن المسيب أنه قيل له: إن قبيصة بن ذؤيب يزعم أن الخليفة لا يناشد الأشعار. قال سعيد: ولم لا يناشد الخليفة، وقد نوشد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم قدم عليه عمروبن سليم الخزاعي، وكانت خزاعة حلفاء له، فلما كانت الهدنة بينه وبين قريش أغاروا على حي من خزاعة يقال لهم بنوكعب، فقتلوا فيهم، وأخذوا أموالهم، فقدم عمروعلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مستنصراً فقال: الرجز

يا ربّö! إنّي ناشöدñ مُِحَِمَِّدا

 

حöلْفَ أَبينِا وأَبِيهö الأتِْلَِدَا

نحنُ وَلَدناهم، فَكَِانُِوا وَلَِدَا

 

ثُمَّتَ أَسْلَمْنا، فلَم نَِنِْزöع يَدَا

إنَّ قُريشاً أَخْلَفوكَ المَِوعöِدَا،

 

ونَقَضُوا ميثاقَكَ الِمُِؤكَِّدَا

ونصبوا لي فِيكَ داءً رَصَِدَا

 

وَبَيَّتونا بِالِوتِير هُِجَِّدَا

وقتلونِا رُكَِّعِاً وَسُِجَِّدَا

 

وَزَعَموا أنْ لَسْتَ تدعوأَحَِدَا

وهِم أَذَلُّ وأَقَِلُّ عَِِِدَدَا،

 

فانصرْ، هداك اللَّهُ، نَصْراً أَيّöدَا

وادعُ عöبادَ اللَِّهö يأْتُِوا مَِدَدا

 

فيهم رَسُولُ اللَّهö قد تِجَِرَّدَا

إنْ سöيمَ خَسفاً وَجهُِهُ تَِرَبَِّدَا

 

في فَيْلَقٍ كالبحرö يجري مُزبöدَا

قال: فدمعت عينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونظر إلى سحابةٍ قد بعثها الله فقال: والذي بعثني بالحق نبياً إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. وخرج بمن معه لنصرهم.

وعن ابن إسحق عن عبد الله بن الطفيل عن أبيه عن جده، أن قرة بن هبيرة ابن عامر بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن وفد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبايعه وأسلم، فحباه وكساه بردين، وحمله على فرس، واستعمله على قومه، فقال قرة يذكر ذلك، ويذكر ناقته في قصيدة له طويلة: الطويل

حَبَاها رَسولُ اللَّهö، إذ نزَلَتْ بهö،

 

وأمكَنَها من نائلٍ غيرö مُفَِنِد                    ö

فَما حَملَتْ من ناقَةٍ فوق رَحلöها

 

أبرَّ وأوفَى ذöمّةً مöن مُحَِمِّد                     ö

وأكسىَ لبُردö الحال قبل ابتذالöه،

 

وأعطَى لرأسö السّابöحö المتجرّد    “)) [53]

6. نصرة المظلوم:  (حلف الفضول)

 ((" وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن <243> جدعان بن عمروبن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، لشرفه وسنه. فكان حلفهم عنده بنوهاشم، وبنوالمطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، <244> وتيم بن مرة فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.))

((قال ابن إسحاق: <245> فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم <246> (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحب أن لي به حمر النعم ولوأدعى به في الإسلام لأجبت"))

((" قال ابن إسحاق: <247> وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

والوليد يومئذ أمير على المدينة ، أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة ، فكان الوليد تحامل على الحسين - في حقه لسلطانه فقال له الحسين أحلف بالله لتنصفني من حقي، أولآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لأدعون بحلف الفضول

قال فقال عبد الله بن الزبير، وهوعند الوليد حين قال الحسين - رضي الله عنه - ما قال وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أونموت جميعا.

قال فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل

الزهري، فقال مثل ذلك وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.”))

((" حديث نقض الصحيفة

قال ابن إسحاق: وبنوهاشم، وبنوالمطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمروبن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه

فكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير وبنوهاشم وبنوالمطلب <161> في الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبل به فم الشعب ، خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره بزا، فيفعل به مثل ذلك.

قال ابن إسحاق: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - فقال يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لوكانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا، قال ويحك يا هشام فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد والله لوكان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها، قال قد وجدت رجلا قال فمن هو؟ قال أنا، قال له زهير أبغنا رجلا ثالثا.

فذهب إلى المطعم بن عدي، فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا، قال ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا، قال من هو؟ قال أنا، قال أبغنا ثالثا، قال قد فعلت، قال من هو؟ قال زهير بن أبي أمية، قال أبغنا رابعا

<162> فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال لمطعم بن عدي فقال وهل من أحد يعين على هذا؟ قال نعم قال من هو؟ قال زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال أبغنا خامسا.

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال نعم ثم سمى له القوم. فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة ، فاجتمعوا هنالك فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال يأهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنوهاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

قال أبوجهل - وكان في ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق، قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حيث كتبت، قال أبوالبختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به قال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها، قال هشام بن عمرونحوا من ذلك.

فقال أبوجهل هذا أمر قضي بليل تشوور فيه بغير هذا المكان وأبوطالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها، إلا:” باسمك اللهم”. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة. فشلت يده فيما يزعمون."))

7. حرمات البيوت:

 يقول الإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي رحمه الله في كتابه الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام: ((وأما قوله على بابه يتطلعون فيرون عليا وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظنونه إياه فلم يزالوا قياما حتى أصبحوا، فذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم من التقحم عليه في الدار مع قصر الجدار وأنهم إنما جاءوا لقتله فذكر في الخبر أنهم هموا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار فقال بعضهم لبعض والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمتنا، فهذا هوالذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج[54])).

إن للبيوت لحرمة هكذا كان العرب يتعاملون، وهي قاعدة لا يمكن خرقها حتى مع الخصوم.

8. أخلاق الشهامة والمروءة:

(والله ما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة) كذا قالت أم سلمة وأم المؤمنين رضي الله عنها، مشيدة بأخلاق المروءة والشهامة التي لقيتها من عربي كان وقتها يخالفها في الدين فلم يمنعه ذلك من الإحسان لها، واقرأ معي القصة كاملة كما أوردت في سيرة ابن هشام:

((قال ابن إسحاق: فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت( لما أجمع أبوسلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه. قالت وغضب عند ذلك بنوعبد الأسد، رهط أبي سلمة فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت فتجاذبوا بني سلمة بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنوعبد الأسد، وحبسني بنوالمغيرة عندهم وانطلق زوجي أبوسلمة إلى المدينة. قالت ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني.

قالت فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي، حتى أمسى سنة أوقريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها قالت فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت ورد بنوعبد الأسد إلي عند ذلك ابني. قالت فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت وما معي أحد من خلق الله. قالت فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم علي زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال أوما معك أحد؟ قالت فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا. قال والله ما لك من مترك فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحط عنه ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى (عني) إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني، وقال اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمروبن عوف بقباء قال زوجك في هذه القرية - وكان أبوسلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعا إلى مكة. قال فكانت تقول والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة[55] )“)

إذا استحضرت هذه السجايا علمت أن اختيار العرب كمنطلق ومهد لرسالة الإسلام لم يكن اعتباطيا، وأن القوم كان لهم من المزايا والسجايا ما جعلهم أهلا ليكونوا حملة شعلة الإسلام الأولى، وإذا استحضرت هذه الأخلاق أدركت أيضا حاجة الإسلام اليوم لمثل هذه الأرضية (حرية واستقلالية وتفوق لسلطة الكلمة على سلطة السيف وشهامة ومروءة ونصرة للمظلوم وتوقير لحرمات البيوت) ليعاود القيادة للعالم، وهي ولعمري ليست سوى ما ينشده الناس اليوم ويسمونها بلغة عصرهم حقوق الإنسان. ولهذا فإن أي مسلم لا يمكن إلا أن يكون مناصرا ومدافعا على هذه الحقوق بل وحاميا لها، لسبب بسيط فهي تربة الإسلام المفضلة حيث يزهر وينمو.

 

 

 



 [1] حديث رقم 24139 من مسند الأنصار للإمام أحمد

[2]  حديث رقم 3181 فضل من قرأ القرآن  كتاب فضائل القرآن سنن الدارمي

 

[3]  حديث رقم 6467 كتاب التعبير أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي - صحيح البخاري

[4]  حديث رقم 231  من كتاب الإيمان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  صحيح مسلم.

[4] صفحة  408 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الأول دار الكتب العلمية

 

[6]  حديث رقم 12805 مسند المكثرين للإمام أحمد رحمه الله

[7]  حديث رقم 1863 صحيح الإمام  مسلم  رحمه الله

[8]  حديث رقم 568  موطأ الإمام مالك رخمه الله

 [9]  صفحة  90   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية.

[10] صفحة  266   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية

[11]   صفحة 115  الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

  صفحة  116   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   [12]

[13]  صفحة  116 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[14]   صفحة   115  الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[15]  صفحة   118  الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية    

 

 

[16]   صفحة   306   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[17]  صفحة   306   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

 [18] صفحة   308   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[19]  صفحة   267   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[20]  صفحة   271   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[21]  صفحة   273   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[22]  صفحة   274   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[23]   صفحة   275   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[24]  صفحة   275   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

  [25]  صفحة   308  الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[26]   صفحة    290   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[27]   صفحة   290   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[28]  صفحة  289   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[29]  صفحة  251   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[30]  صفحة   251   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[31]  صفحة   280   الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

 

[32]  مقدمة كتاب المغازي للوا قدي

[33]  صفحة 306 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[34]   صفحة 307  الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[35]  صفحة 308 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[36]  صفحة 308 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[37]  صفحة 308 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[38]  صفحة 309 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[39]  صفحة 309 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[40]  صفحة 309 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[41]  صفحة 309 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[42]  صفحة 18  تاريخ العرب و الشعوب الإسلامية كارل بروكلمان ترجمة د. نبيه أمين فارس و منير البعلبكي دار العلم للملايين الطبعة السابعة يونيو1981.

[43]  صفحة  379و 380 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[44]  حديث رقم: 3615 صحيح البخاري > كتاب فضائل الصحابة > باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل-

[45]   حديث رقم: 2255 صحيح مسلم > كتاب الشعر > -

 

[46]  حديث رقم: 3614 صحيح البخاري > كتاب فضائل الصحابة > باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل-

[47]   حديث رقم: 3616 صحيح البخاري > كتاب فضائل الصحابة > باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل-

[47]   عن موقع      http://www.al-madinah.org/history

 

[49]  صفحة 7 تاريخ العرب و الشعوب الإسلامية كارل بروكلمان ترجمة د. بدر الدين القاسم دار الحقيقة للطباعة و النشر بيروت الطبعة الثانية 1977

[50]  المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام د.جواد علي موقع شبكة اللادينيين العرب                                               http://ladeeni.net/

[51]  حديث رقم: 21709 سنن البيهقي الكبرى > كتاب الشهادات > باب شهادة الشعراء- و أخرجه مسلم في الصحيح عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده.

 

[52]  الشعر والممنِِوع لمحمد  أسليم مداخلة ألقيت في ندوة «الكتابة والممنوع» التي نضمها المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب بالرباط          /aslimnet.free.fr/articles/interdit.htm // http :                                                     

[53]  جمهرة أشعار العرب لأ بي زيد القرشي –الصفحة  8 و9 ( موقع أهلا وسهلا)                       http://www.alwaraq.net

[54]  صفحة 309 الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية   

[55]  صفحة 390  الروض الأنف في تفسير السيرة لابن هشام  للإمام أبي الحسن الخثعمي السُهيلي الجزء الثاني دار الكتب العلمية

----

                                                                   )ميلود النويني- المغرب)


المقالات الخاصة بنفس الكاتب



 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca