الشيخ محمد بوسليماني في ذكراه
رجل ما أحوج الحركة والوطن والأمة إليه
الكاتب : جمال زواري أحمد
في خضم الأحداث التي عاشتها وتعيشها الأمة في بعض أقطارها مغربا ومشرقا ، وإنشداد الجميع نحوها ، تمر علينا ذكرى استشهاد الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله وتقبله في الصالحين ، هذا الرجل الحكيم الحليم النقي التقي البكّاء الأواب الزاهد المتجرد ، واسع الصدر سليم القلب طاهر السريرة ، متين الخلق مثقف الفكر، المجاهد لنفسه الحريص على وقته النافع لغيره ، الرجل الذي كانت له قدرة عجيبة على أن يسع الجميع بقلبه الكبير ونفسه الواسعة ، بحيث فرض احترامه وتقديره وحبه على الكثيرين ، وكان يحظى بالقبول لديهم ، حتى من اختلفوا معه في الفكر والتوجه والانتماء .
نذكر الشيخ بوسليماني اليوم لنترحم عليه أولا ، حتى لا يشملنا تهديد ذلك الرجل الصالح أبو محمد التيمي رحمه الله عندما قال :( يقبح بكم أن تستفيدوا منا ، ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا).
كما نذكره وفاء له واستحضارا لسيرة عطرة لرجل كبير ، عمل وقدّم وضحى وأنتج وأبدع وزرع ومكّن ، وفتح قلوبا وعقولا وحصونا للحق والخير والفضيلة ، كما أنه علّم ودرّس وحاضر وحاور وأصلح ، وسافر وطاف ربوع الدنيا عارضا لدعوته منافحا عن دينه وأمته ووطنه ، مسح دموع اليتامى والأرامل والمساكين الذين نال لقب أبوّتهم بامتياز.
فلقد كان الشيخ بوسليماني كتابا مفتوحا منوع المواضيع ، تجد فيه ما تفرّق في غيره ، جهادا وإنجازا وإبداعا على كل الجبهات وفي كل المجالات.
نذكر كل هذا وغيره عن شخصية بحجم أبي خالد ِِ كما كان يحب أن يكنيه الشيخ محفوظ رحمه الله ِِ ، بما تحمله من صفات وخصال وإنجاز وتنوع ، وبما تملكه من كاريزما دعوية واجتماعية ، سواء داخل الحركة والصف الإسلامي عموما ، أو على مستوى المجتمع والوطن ككل بمختلف فئاته ، وإن على مستوى الأمة وقضاياها ، والدعوة العالمية ونشاطاتها وفعالياتها ومؤتمراتها ودعاتها وأبنائها ، لندرك الخسارة الكبيرة التي منيت بها هذه الجبهات جميعها ، بفقدها فارس في مستوى الشيخ محمد بوسليماني ، وحاجتها الماسّة له ولأمثاله ، في هذه الظروف العصيبة التي تعيشها ، والمخاض العسير الذي تحياه.
فعلى مستوى الحركة :
كانت حكمة الشيخ بوسليماني وقوة شخصيته وحبه غير المتكلف والسماع له من طرف الجميع ، وقدرته الفائقة على الحوار والإقناع وامتصاص الخلافات وسوء التفاهم ، ونقاؤه وزهده الذي يعرفه الجميع ، كفيلا بأن يردع كل متطاول ، ويقنع كل متردد ، ويرد كل شارد ويوطئ كل متعال عن إخوانه وحركته ومؤسساتها ، ويمنع كل تهديد للصرح والبناء من معاول هدم بعض أبنائه ، ويبقيه موحدا مجموع الشمل ، ويفوّت الفرصة عن كل متربص.
وعلى مستوى الوطن :
كانت مكانة الشيخ وسداد رأيه ورجاحة عقله ورزانته ووطنيته الصادقة ، ومساحة الحب والاحترام والتقدير التي كان يحظى بها ، كفيلة بأن تساهم في اختزال مرحلة الفتنة التي مرّ بها ، وإطفاء نيرانها وتخفيف غلوائها ، وكذا نزع الأحقاد التي راكمتها ، وإصلاح ذات البين ، ووأد خنادق النزاعات العرقية والطائفية والمذهبية والمبادرة إلى حلحلتها ، والتي هددت وتهدد النسيج الوطني ِِ كما فعل ذات يوم في غرداية ِِ .
كما كان يمكن أن يكون على رأس لجنة حكماء هذا الوطن ، للإصلاح والوساطة ونزع فتيل التوترات ، في أي نزاع نشب أو قد ينشب بين السلطة والشعب من ناحية ، أو بين الشعب وفئاته من ناحية أخرى.
أما على مستوى الأمة :
فإن قضاياها المتشعبة وجراحاتها النازفة هنا وهناك ، كانت ما أحوجها لرجل مثل الشيخ بوسليماني ، في همته واهتمامه ، وفي عمق إحساسه وشعوره بها ، وفي سرعة مبادرته وتحركه للمساهمة في مداواتها ، كما فعل في القضية الأفغانية قديما ، أو في مأساة مسلمي البوسنة وغيرها .
كما جاب القارات منافحا عن الإسلام ، ومحاورا مقنعا في الرد على الشبهات التي تثار عنه ، ومدافعا شرسا بالحجة والدليل على فكر الوسطية والاعتدال ، ناشرا وممكنا له في الكثير من الربوع والأماكن شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
فقد كان الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله بحق ، رجل دعوة وحركة ، كما كان رجل نخبة وعامة في نفس الوقت ، ورجل وطن وقضية وأمة أيضا.
آخر ما كتب كوصية :
وقد كان آخر ما كتب كوصية ِِ رغم اختصارها ِِ تصلح أن تكون وصفة علاج مركزة المفعول للكثير من أمراضنا التنظيمية والحركية ، لو أنها وجدت وتجد الآذان الصاغية والتنفيذ العملي من طرف الجميع ، قال رحمه الله :( اعتمدوا على الله وثقوا فيه ، فلا تخافوا غيره ولا ترهبوا سواه ، أدوا الفرائض، واجتنبوا نواهيه، كونوا أقوياء بأخلاقكم، أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين، كونوا عاملين واتقوا الجدل).
فرحم الله الشيخ محمد بوسليماني وأسكنه في عليين ، جزاء ما قدم لدينه ودعوته وحركته ووطنه وأمته ، كما نسأله سبحانه أن يرزقنا حسن التأسي والإقتداء والثبات على طريقه والموت عل ما مات عليه.