وكل هذه المظاهر المذكورة آنفاً ، وغيرها تكون لها آثار ، وعواقب
1- فهي قد تؤدى إلى الفتور على النحو الذي شرحنا في الآفة الأولي ، وقليل دائم خير من كثير منقطع :( .... وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ ) .
2- وقد تؤدى إلى موتة غير كريمة ، وذلك حين لا يكون من ورائها عائد أو ثمرة ، وهنالك تكون المسئولية و المعاتبة بين يدي الجبار الأعلى ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ، والأمر يومئذٍ لله و القصة التالية برهان عملي لما نقول :
( كانت الحركة الإسلامية بمصر في نهاية الثلاثينات تعيش أزهي أيامها فها هي : تشق طريقها بين جميع البيئات ، والأوساط كما تشق السفينة البحر الهادئ و الريح رخاء وها هو صوتها مسموعاً في جميع القضايا سواء على المستوى المحلى أو على المستوى العالمي ، في هذه الأثناء وقف أحد أبنائها هو :( أحمد رفعت ) يعترض على كل ما تتخذه الحركة من أساليب ويدعو إلى أساليب أخرى .
ولم يكن في هذا ما يلفت النظر ابتداء ، فلكل عضو في الحركة الحق في نقد ما يرى أنه يستحق النقد ، ثم تكون مناقشة بين الأطراف تنتهي إلى الأصوب و الطريق الأقوم بيد أن الذي استرعى الانتباه ، ولفت النظر هو أن هذه الدعوة لقيت آذاناً صاغية واستجابة سريعة لدى كثير من شباب الحركة ، ولا نريد أن نخوض الآن في البحث عن أسباب ذلك ، وإنما الذي يعنينا هو أنه عقد لقاء لمعرفة اعتراضات ، ومطالب أحمد رفعت وانحصرت في ثلاثة :
الأول : أنه يرى أن الحركة تجامل الحكومة وتتبع سياسة اللف و الدوران ، و الواجب يقتضي مواجهة الحكومة بالحقيقة التي قررها القرآن الكريم :{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } .
الثاني : أنه يرى أن الحركة لم تتخذ أي إجراء عملي في موضوع سفور المرأة وتبرجها ، مكتفية بالنصيحة و الكلام ، و الواجب يقتضي أن توزع الحركة نفسها في شوارع القاهرة ومع كل واحد من أبنائها زجاجة حبر ، وكلما مرت أمامه فتاة أو امرأة متبرجة ، ألقى عليها من هذا الحبر ، حتى يلطخ ملابسها ، فيكون هذا رادعاًً لها .
الثالث : أنه يرى أن وقوف الحركة في مساعدة مجاهدي فلسطين عند حد الدعاية لهم وجمع المال إنما هو تقصير في حق هذه القضية ، وقعود عن الجهاد ، وتخلف عن المعركة ، وعلى جميع أبناء الحركة أن يتركوا أعمالهم ويتطوعوا في صفوفهم وإلا كانوا من المخالفين .
وتصدى بعض الحاضرين للرد على ( أحمد ) بشأن المطلبين الأولين فقال :
- إن مواجهة الحكومة يجب ألا يكون إلا بعد توفر عاملين :
أ- توعية الشعب بالحقائق الإسلامية التي لا زال حتى اليوم خالي الذهن منها لا سيما علاقة الإسلام بالحكم وعلاقة الإسلام بالتشريع .
ب- اكتساب الحركة قوة شعبية تستند إلى مواجهة أي ظروف تتعرض لها ولا زالت الحركة حتى اليوم حركة وليدة في حاجة إلى تثبيت دعائمها وبسط لرواقها .
- أما موضوع المرأة فكان ردهم عليه هو أننا لو أخذنا باقتراح ( أحمد ) لكانت النتيجة في اليوم الأول للأخذ بهذا الأسلوب أن يلقى القبض على جميع أبناء الحركة ، ويجرى معهم التحقيق ، ويودعوا السجون حتى يحاكموا أمام القضاء الذي يقضى بالسجن و الغرامة ، وإذا قضوا العقوبة وعادوا إلى نفس الأسلوب ، فإن العقوبة تضاعف ، وما دامت التي لطخت ثيابها ستعوض ثمن هذا الثياب مضاعفاً من جيوب أبناء الحركة ، ثم ترى الذي لطخ ثيابها قد أودع السجن ، فما الذي يمنعها من لبس ما كانت تلبسه ، وإذن فلا جدوى من وراء هذا الأسلوب في ردع المتبرجات السافرات .
- وأما موضوع فلسطين ، فقد أجاب عنه كتاب سماحة مفتى فلسطين السيد أمين الحسيني ردّ به على الحركة الإسلامية في مصر ، ومضمونه : أن المجهود الذي تبذله الحركة في الدعاية لقضية فلسطين في مصر هو القدر المطلوب و الذي نحن في أمس الحاجة إليه ، ولا يستطيعه غيرها ، ولسنا في حاجة إلى متطوعين .
ورغم وضوح الجواب فقد أصرَّ ( أحمد ) على موقفه ، وزاد عدد مؤيديه ، ووصلت بهم الحال إلى أن صاروا يسبون في الحركة الإسلامية و القائمين عليها دونما حياء أو خجل ، ولما قاطعه أبناء الحركة ، وانفض من كانوا حوله ورأي في نفسه عزلة تامة قرر السفر إلى فلسطين لينضم إلى المجاهدين في محاربة الإنجليز و اليهود .
وهنا أشفقت عليه الحركة وأرسلت له تطلب منه الحضور لتجهزه بالمال و السلاح ثم تسلمه إلى مجموعة من المجاهدين الفلسطينيين الذين كانوا يتصلون بهم حتى يؤمنوا له الطريق ، لأن المجاهدين يشكون في كل من يرونه في طريقهم - ما داموا لا يعرفونه - ويعدونه جاسوساً عليهم ويقتلونه ، فرفض وأصر على الذهاب وحده ، وذهب فعلاً ولقي مصرعه كما كانت الحركة تتوقع - على أيدي المجاهدين ) .
إن هذه القصة تبين لنا عاقبة الحماس مع السطحية في فهم كتاب الله ،وتاريخ الدعوة الإسلامية ، واقع الحياة ، إن عاقبة ذلك إنما هي الاستعجال وآثار الاستعجال قد تكون موتاً غير كريم ، كما وقع لأحمد رفعت .
فإنه لم يكن له - قبل الانضمام إلى الحركة - أدنى معرفة بالإسلام ولا بالقرآن ولا بالسيرة ولا بالتاريخ الإسلامي ، وحين اقتنع بالفكرة الإسلامية انقض عليها بحماس بالغ ، وقبل أن يتزود بكل معالم الطريق اندفع اندفاعاً غير بصير ، فاصطدم وتحطم ، وكاد يحطم الحركة معه لولا العناية الإلهية ثم حكمة القائمين عليها وإخلاصهم .
3- تعطيل العمل ، أو على الأقل الرجوع به إلى الوراء عشرات السنين وذلك فيه ما فيه من استمرار تدنيس الحياة و المضي في الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض وزيادة وضع الأحجار و العقبات على الطريق .