وللتكبر في الأرض بغير الحق آثار ضارة ، وعواقب مهلكة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي :
على العاملين :
1- الحرمان من النظر والاعتبار :
أي أن الأثر الأول الذي يتركه التكبر على العاملين : إنما هو الحرمان من النظر والاعتبار ، ذلك أن المتكبر - بترفعه وتعاليه على عباد الله - قد اعتدى من حيث يدرى أو لا يدرى على مقام الألوهية ، ومثل هذا لابد له من عقوبات ، وأول هذه العقوبات : الحرمان من النظر والاعتبار فتراه يمر على آيات الله المبثوثة في النفس وفي الكون ، وهو في إعراض تام عنها { وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ، ومن حرم النظر والاعتبار ، كانت عاقبته البوار و الخسران المبين ، لأنه سيبقى مقيماً على عيوبه وأخطائه ، غارقاً في أوحاله ، حتى تنتهي الحياة ، كما عقب النبي - صلى الله عليه وسلم حين قرأ الآيات الأخيرة من سورة آل عمران { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل و النهار لآيات لأولى الألباب ... } إلى قوله سبحانك فقنا عذاب النار } عقب بقوله :( ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها ) وقد صرح المولى - سبحانه وتعالى - بهذا الأثر في قوله :{ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ... } .
2- القلق والاضطراب النفسي :
وأما الأثر الثاني الذي يتركه التكبر على العاملين ، فإنما هو القلق
والاضطراب النفسي ، ذلك أن المتكبر يحب - إشباعاً لرغبة الترفع و التعالي أن يحنى الناس رؤوسهم له ، وأن يكونوا دوماً في ركابه ، ولأن أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك ، بل ليسوا مستعدين له أصلاً ، فإنه يصاب بخيبة أمل ، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي ، هذا فضلاً عن أن اشتغال هذا المتكبر بنفسه يجعله في إعراض تام عن معرفة الله وذكره ، وذلك له عواقب أدناها في هذه الدنيا القلق و الاضطراب النفسي .
وصدق الله إذ يقول :
{ ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ... }
{ ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعدا ... }
3- الملازمة للعيوب و النقائص :
وأما الأثر الثالث الذي يتركه التكبر على العاملين ، فإنما هي ملازمة العيوب و النقائص ، ذلك أن التكبر لظنه أنه بلغ الكمال في كل شئ لا يفتش في نفسه ، حتى يعرف أبعادها ومعالمها ، فيصلح ما هو في حاجة منها إلى إصلاح ، ولا يقبل كذلك نصحاً أو توجيهاً أو إرشاداً من الآخرين ، ومثل هذا يبقى غارقاً في عيوبه ونقائصه ، ملازماً لها إلى أن تنقضي الحياة ، ويدخل النار مع الداخلين :
{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً }
{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
4- الحرمان من الجنة :
وأما الأثر الرابع الذي يتركه التكبر على العاملين ، فإنما هو الحرمان من الجنة ، وذلك أمر بدهى ، فإن من يعتدي على مقام الألوهية ، ويظل مقيماً على عيوبه ورذائله ، ستنتهي به الحياة حتماً وما حصل خيراً يستحق به ثواباً أو مكافأة فيحرم الجنة مؤبداً أو مؤقتاً ، وصدق الله ورسوله إذ يقول الحق في الحديث القدسي :
( الكبرياء ردائي و العظمة إزاري من نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ) ، وإذ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم :
( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثال ذرة من كبر ..)
( ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جوَّاظ متكبر ).
على العمل الإسلامي
ومن آثاره على العمل الإسلامي :
1- قلة كسب الأنصار بل و الفرقة و التمزق :
ذلك أن القلوب جبلت على حب من ألان لها الجانب ، وخفض لها الجناح ، ونظر إليها من دون لا من علٍ ، أما من ترفع عليها واحتقرها أو ازدراها ونال منها ، فإنها تبغضه وتنفر منه ، بل وتحاول الابتعاد عنه ، وتكون العاقبة خواء ذات اليد من الأنصار من ناحية ، ووقوع الفرقة و التمزق بين من هو نصير وظهير بالفعل من ناحية أخرى .
ويوم ينتهي الأمر بالعمل الإسلامي إلى انعدام النصير من الخارج ووقوع الفرقة و التمزق من الداخل ، فإنه يسهل ضربه ، أو على الأقل إجهاضه فلا يؤتى ثمره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل .
وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذا الأثر ، وهو يتحدث عن المنافقين فقال :{ ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } .
وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :( وإن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد .
2- الحرمان من العون و التأييد الإلهي :
ذلك أن الحق سبحانه مضت سنته أنه لا يعطى عونه وتأييده ، إلا لمن هضموا نفوسهم حتى استخرجوا حظ الشيطان من نفوسهم بل حظ نفوسهم من نفوسهم ، و المتكبرون قوم كبرت نفوسهم ، ومن كانت هذه
صفته ، فلا حق له في عون أو تأييد إلهي ، ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ...} حيث ربط نصره لهم بحالهم التي كانوا عليها من المسكنة و التواضع وهضم النفس ، وكأن هذه الحال إذا انعدمت أو غابت غاب معها العون و التأييد.