ومن الضروري بمكان معرفة الداعية، إن ما قد يعرفه، أو يتقنه، قد لا تتقنه قيادات، ولا يكاد يمر على ذهن الأمراء، فكل أمر قد استأثر الله به بعض الخلق، ألا يلاحظ الداعية، أن الله استأثر بعض مخلوقاته بما يعجز عنه الإنسان، حتى يستدل به على عظمة الخالق من جهة، وضعف المخلوق من جهة أخرى، وأن كل مخلوق محتاج إلى غيره من جهة ثالثة، ورابعة أخرى أن كل فضل من الله، وإليه، وفي كل أمر عبادة، وإدراكها عبادة، والسعي بمقتضاها عبادة، وفضل الله أوسع بعد ذلك كله.
ولعل هذا المعنى_ يعود لنا _ مرة أخرى من قصة الهدهد، فهذا النبي الذي أوتي من كل شيء تقريباً، وسخر له الجن والإنس، ظهر ضعفه أمام الهدهد، ورد عليه، وتصاغرت عنده نفسه، وهو يشعر باحتياجه للطير الضعيف، بل ودافع الهدهد عن نفسه، ونافح عن تغيبه بحجة بليغة..
(ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة، والعلوم الجمّة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه، وتنبيهاً على أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ولكون لطفاً له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علماً أن يعلم من جميع جهاته، لا يخفى منه معلوم...)18
وبالمناسبة، يشار هنا إلى معنى ملازم، وهو ضرورة استيعاب المربين لهذا المعنى، واحترام ما يصل إليهم من إبداع الأفراد، وأفكار الأتباع، وإيجابيات الدعاة، ويدعموا ذلك بالإعانة، ويتمنوا لهم التوفيق، ويباركوا ذلك بالتشجيع، ما دام ضمن مسيرة العمل الصالح، اقتداءً بالأنبياء والمرسلين، وعدم الوقوع بفتنة العجب، أو الإعتزاز بالرأي، أو الحرص على رأي معين، فالحكمة ضالة المؤمن، وهو أولى بها، أنَى وجدها...