ويظل شعور المؤمن بالعجز وافتقاره إلى توفيق الله تعالى وعونه وتسديده هو العامل المحرك والمولد لكل أسباب هذه الإيجابية، وبمقدار تذلله لريه تعالى واستمداده منه "تكون إلهامات تنويع العمل لدية والمبادرة والإبتكار، حتى ليسن سُنناً في الخير لم يسبقه إليها أحد، ثم يصبر على لأواء مرافقة وطول طريق، فيكون النصر.
إن عجزًا لداعية عن وصوله إلى هدفه- أياً كان ذلك الهدف- بعد أن يستفرغ وسعه، ويبذل جهده، ويفني طاقته، هو الكنز الحقيقي الموصل إلى الله، لأنه قد وصل بهذا العجز إلى مرحلة الافتقار إلى الله، واستشعر أن لا ملجأ إلا إليه، فقطع العلائق مع الأسباب، وترك بعد ذلك الإختيار، واسترسل في مجاري الأقدار، فزاد يقينه بقدر الله، وعلم قلبه بكفاية الله، ورضي بالمقدور، وصحَ منه التوكل، وقد يدرك المؤمن التوكل بعمومة، ولكن معنى (العجز) أدق وأخص، وفيه لا يبقى اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل اللجوء لله الواحد القهار.
فاسمع- أيها الداعية. صرخة النورسي رحمه الله في (المثنوي العربي): "كنزي عجزي "
ومن هذا المنطلق فإن النصر معلق بالله عز وجل، حتى تبذل النفوس كل طاقاتها، وما معنى الجهاد اللفظي إلا استفراغ الوسع كله، فإذا فرغت النفوس من حظ النفوس، انطبقت عليها القاعدة (إن تنصروا الله ينصركم)، وما عمل الداعية إلا ستاراً للقدرة، فما عليه إلا أن يعمل حتى يصل إلى الكنز المخبوء تحت ظلال العجز.
(نحن في هذه الحياة الدنيا نتحرك، تحركنا أشواق وهواتف، ومطامع ومطامع، وآلام وآمال، وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون للي!د التي لا تراها الأنظار، ولا تدركها الأبصار، يد المدبر المهيمن القهار. 000)31
ولعل من أسرار ذلك، ومما أراده الله أن نعلمه، أن العمل قد لا يؤدي إلى النجاح وإن كان الداعية يتقن عمله ليصل إليه، إذ أن النجاح خير يسوقه الله لعبادها والنصر موهبة من الله تعالى على العمل لا نتيجة له، لأن الله تعالى وهو خالق النفوس، عرف محبتها للنصر، فوعدها به. (وأخرى تحبونها، نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)
وإلا فهنالك من الأنبياء، والقدرة تحوطهم، ومع هذا قد يأتي أحدهم- يوم القيامة- وليس معه أحد، وفي هذا عزاء أيما عزاء لكل العاملين الذي يستبطئون النصر.
(عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوماً، فقال: عُرضت عليّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبيُ معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد32
وإدراك (التوكل) ليس بالأمر السهل لأنه من مقتضيات الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، وكذلك شُعَبهُ تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي، فالمؤمن يدرك القدر وسريانه، والقضاء وجريانه بحدهما الأدنى، ولكن التوكل بمعناه الأعلى وإدراك (كنز العجز) مرحلة من التوفيئ لا يوصل لها إلا بالطاعات، وترك الهوى، واجتناب الشهوات،
وقد قال الفضيل بن عياض: (من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق)33
وكان الأنبياء السابقون على هذا المنهج تنال منهم (البأساء) بالشدة والفقر والمسكنة، وتضييق جهات ا لخير، (والضراء) بالآلام والأوجاع وضروب ا لخوف، وانفتاح جهاز ا لشر، وينال منهم (ا لزلزال) بأنواع ا لبلايا والرزايا، تم مع هذا ينتظرون النصر، ويتساءلون عنه- دون شك أو ارتياب- لأنهم بذلوا من الجهد أقصاه، ومن العمل نهايته، فيأتيهم النصر إذ وصلوا إلى مرحلة العجز إلا من فضل الله وقوته.
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و ألا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معها متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب)34
(فبينّ سبحانه وتعالى: أنه أرسل رسله، والناس رجلان: رجل يقول أنا مؤمن به مطيعة ، فهذا لابد أن يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه...)
ثم يقول شيخ الإسلام لجماعته عن اللذة التي يحصل عليها المرء عند معرفته الله بعد الإمتحان والبلاء، واكتشافه الكنز الذي سماه اللذة والسرور، فيقول متحدثاً عن سجنه:
(.... فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم، وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته، والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات، واُعَرف أكثر الناس قَدْرَ ذلك، فإنه لا يُعْرَف إلا بالذوق والوجد، لكن ما من مؤمن إلا له نصيب من ذلك، و يستدل منه بالقليل على الكثير، وإن كان لا يُقدر قدرُه الكبير.. )35
وقال الإمام الرازي في تفسير الآية السابقة بما يشهد لنفس المعنى من وصول الرسل لمرحلة العجز:
الآن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: (ألا إن نصر الله قريب)..... وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، لأنه آت، وكل ما هو آتً قريب....)36
ومن هذا كله ونظائره لابد من استنفاد الجهد، واستفراغ الطاقة حتى مرحلة العجز، وحصاد الكنز. وعلى مستوى الجماعة، وطلب النصر الدعوي، فليعلم _ الداعية _ أن نصر الله قريب إذا وصل الغاية.
( إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ، فهم يتطلعون فحسب إلى (نصر الله)، لا إلى أي حل أخرا ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عندا لله .. )37
وليس ( كنز العجز ) على مستوى الجماعة فقط، بل ولك _ أيها الداعية _، وفي كل إطار عمل أنت فيه.. ففي الخطط المرحلية، وفي طلبك للنجاح دون النصر النهائي، إذا ما ادلهمت عليك الخطوب، وسدت عليك المنافذ فاركن إلى الكنز الذي لا يضيع ولا ينفذ، واستمع إلى قول أحد الزهاد في دعائه:
(اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك)38
(وإذا عظم المطلوب، وأعوزك الرفيق الصالح، فارحل بهمتك بين الأموات، وعليك بمعلم إبراهيم... ومن الله سبحانه الإستماد، وعليه التوكل، وإليه الإستناد، فإنه لا يخيب من توكل عليه، ولا يضيع من لاذ به، وفوض أمره إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل)39
انتهى بحمد الله