وقبله كره ابن مسعود الفراغ للمرء مهما كان، فقال: (إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في عمل آخرة، ولا دنيا…) وما أكثر ما نطق الشعراء والحكماء بهذا المعنى، حيث إدراكهم لمعنى الحياة، وضرورة استثمارها…
دقات قلب المرء قائلة له **** إن الحياة دقائق وثواني
وإذا كان الأقدمون يستشعرون هذا المعنى من دقات القلب، فما أحرى بداعية اليوم استشعارها من دقات الساعات في كل مكان، ومن إشاراتها الرقمية في كل معصم، وهي تسجل مرور الثواني والدقائق التي لن تعود، ناهيك عن الأيام والليالي، وأن يكون مع الإمام الشهيد في حكمته الخالدة حيث يقول: (الوقت هو الحياة)، وكان يكرر أيضا: (الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك).
ولكن الرجوع إلى تتبع دقات القلب أجزل معنى وأوضح تذكيراً، فإنه ثمَّ في القلب الفهم والوعي والإدراك والإيمان.
فلولا تفقد داعية قلبه، ثم رجع فتفقد.. ثم رجع، لعله يقرب من الإبداع والإيجابية خطوات..
و إياك والهوى
وهناك مجموعة من الأسباب والعوامل تؤثر في إيجاد الإيجابية الدعوية، أو تقويتها، أو المنع من فتورها، لابد من أخذها بنظر الاعتبار والتنبيه المستمر عليها من خلال الوعظ الدعوي، والمناهج التربوية، أو جداول المحاسبة الذاتية، ولعل أهمها ومبتدأها: تقوية الإيمان. والإيمان بداية الأمر، وأس العمل، ولاشك، ولكن المقصود هنا الالتزام بعوامل تقوية الإيمان، وأنشطة زيادته بالطاعات التي من شأنها أن تزداد إيجابية المؤمن بها، وتتقوى ذاتيته بمقتضاها.. والعوامل هذه كثيرة- لا يمكن الاستطراد بها في هذا المبحث- ولكن يشار إليها فحسب إذ أن من أهمها، الذكر وتلاوة ا لقرآن، وتذكر الآخرة، وحضور ا لجنائز، وزيارة ا لمقابر، وكثرة ا لسنن، وقيام الليل، وصيام التطوع، والزيادة من كل بر، والأخذ بكل معروف.
كما أن الإيمان مرتبط بصحة النية، وسلامة القصد، وعدم حصول الهوى،أو غلبة الشبهة، لأن اتباع الهوى يضل عن السبيل، ويقعد عن العمل الصائب، وشعور المؤمن بأن عمله لله- تعالى- يدفعه للمعالي، ويفجر مكنوناته، و يستسهل الصعب فيه، و يتجاوز العقبات له، وتتكون العزيمة التي تدفع كل حواسه، وتظهر كل طاقاته على شكل عمل مثمر وبناء، وكما أن صحة النية مهمة، فإن الانشغال بالعمل الصالح، وترك الشهوة، هو الآخر يقود إلى تفتح البصيرة، وترك الباطل، والتمتع بلذة الطاعة، وينمي القوة في طاعة الله، ويقوي الإبصار في الحق، وكل من صحة النية وصواب العمل، وإن كانا مما يقوي إيجابية المؤمن، فهما بنفس الوقت بحاجة إلى إيجابية، ولكنها سنة الحياة، فالعمل يدفع إلى العمل، والحسنة تقود إلى الحسنة، والحركة تولد الحركة، والطاعة تجلب الطاعات، وهذا من فضله تعالى على العباد.