ومن إخواننا أصحاب أنماط نفسية فيها غرابة ، بعضهم يحوم حول أهداف صغيرة مفضولة ، لهم ببلوغها شبع ، وبعضهم يعجز عن استخراج فوائد قريبه منه ، وبعضهم يسلك مضايق جانبية تؤخره إذ القافلة مسرعة في طريقها الواسع المستقيم.
* منهم المتردد ، الذي لا يعزم عزمه واحدة على فعل شيء ، ويتأخر في اتخاذ قرار في شأنه الحياتي المعاشي ، فيتلف أوقاته بكثرة التفكير، ويبدد أوقات إخوانه بتكرار والاستشارة ، فلا هو بالمقتحم الفاعل، ولا هو بالتارك الناسي، وله مع كل مجالسة لإخوانه بحث لما هو مقبل عليه ، كأنه يريد منهم أن يتحملوا مسؤولية قراره.
وداعية يعلن حرصه على نيل العلم وأن تروي له التجارب ، ونرى في ذكائه قريبه على صدقه ، فتمكنه ، فيلبث طول المدة صامتاً، يسمع الدرس ولا يتكلم ونود أن نعرف مدى استيعابه فلا نستطيع ، ونحن أن نعلم رأيه فيما يقال إن كان مؤيدا أو معارضا فتعجز ، ونحاول تحريكه بسؤال نطرحه عليه، فجيبب بحروف قليلة.
* ومع ذلك فهو أحسن من أخر يبالغ في كل كلامه ، فيتحدث عن وجود ظاهرة يدعي أنها أقر أن كون من علامات الساعة: فتفحص الأمر فنجدها حادثة فردية، ويؤذن في الساحات أنه هو النذير العريان فتفزع، ثم تكتشف أن ليس ثم غير وهم بلا برهان ، ووسوسة أشبه بالعدوان.
* وآخر يكثر النقد ، ولا يكاد يرضية شيء وينظر إلى الركب السائر نظرة تضعيف، لما يرى من نقصان الأصحاب عن بلوغ أوصاف النموذج العالي، وكأنه لا يدرك مغاذي لغه الرمز والمجاز والوعظ والحث، وينزل حروفها منزلة متون القانون وحرفية الدلالة.
* وقريب منه: الكثير التشكي ، المتأفف، الضجر، الذي يدعي مع كل شمس تطلع على العباد تبشرهم بزرق واستئناف عمل أنه غير محظوظ ولا موفق، وأن الرياح عكست شراعه، وأنه ممتحن بمحن، ومريض بأمراض، وقد يكون ذلك صحيحا ، إما لذنوب يرتبكها هو أعرف بها، تليق لها التوبه، ليتوسع رزقه وأمره، أو لتمحيض يليق له الصبر لا التوجع.
* وأخر أعطل، لا تهمه الموعظة التي في مثل هذه المصارحات ، بقدر ما يهمه أن يعرف من هو المقصود بكل ملاحظة ، ولربما استدرج إخوانا له غلى شبه مؤتمر ليعينوه في التعرف على الهماس والحساس والمتردد والصامت، وهذا انحراف بمقصد الرسائل ، واهتمام هابط.