ومن المصطفين الذين رآهم الكيلاني يمشون إلى قدام: نفر من رهطنا نبلاء أمنا ، يكاد الأمير يخلي مكانه لهم لو لا الشروط ، وبهم نفخر.
منهم داعية من بين جاه ومال ، ورباه الدلال ، وكان يحصل كل شهر على ألف دينار من الحلال، ثم هاجر ، وتشرد وافتقر،ووجد نفسه فجأة ولي أمر عدد من المهاجرين ، يرعاهم ويقتسم معهم رغيفه ويشرب من بعدهم وشلهم ، فيقلق حاله الضلاء ، فيشفعون له لدى رجال الأعمال، ثم يدعونه إلى رحيل حيث تنتظره وظيفة جيدة ، فيأبى ، ويختار المرابطة مع إخوانه، يربيهم، صابراً على الابتلاء ، والنجيبة معه محتسبه.
فكذلك الإيثار يكون ، وهو طريق الآخرة صفاء كله ، وإنما يذوق حلاوته حر مثل هذا جعل دنياه وراء ظهره.
* ( سعي الأحرار في الدنيا يكون لإخوانهم لا لأنفسهم ).
ولله در شهم آخر ، يخرج من الموصل، فيقطع جبالا ثلاثين، وقفارا سبعة، ونصف طريقة خطو على قدميه ، حتى يستقر مع المجاهدين في الميدان وراء كابل ، ويتزوج فيهم، ويلقنهم مبادئ ، الدعوة وفكرها ، ويرسل يطلب من إخوانه كتبا دعوية مع السلاح والذخيرة ، ليتقن تربية من معه ، وليكون الجهاد محروساً بوعي، وتبلغ مشاركته أن يغزو الروس داخل الحدود الحمراء ويقفل ظافراً.
إن هذين الأستاذين في الزهد الشرعي يعلمان الدعاة أن الرهبانية المبتدعة إن كانت موتا ، فإن ما هم عليه من القناعة هي الحياة النابضة التي تعين على الحركة والجهاد، والإنكار على أهل النكر، وما كان إخلاء المسلمين إلى الأرض وذهاب عزهم وعز دولتهم إلا حيث توقفوا عن ضرب مثل هذه الأمثلة في العصامية والتجرد ، التي ميزها إقبال – رحمة الله – حين رأى أن:
شتان بين خلوة راهبٍ
وشراع فقر في عباب يمخر
لما أضاع المسلمون على المدى
ذا الفقر ، لما ضاع هذا الجوهر
لم يبق فيهم من سليمان ولا
سلمان دولة عزة لا تقهِِِر(4) .
فزهد الداعية وهو شراعة الواسع المتين الذي يشق به بحار العمل والجهاد حقا، وترهق جامع المال حراسته ، فهو عن درب الهجرة قصي، وعن نسمات كابل أقصى.
صور من تنافس النبلاء
وكما يكون إبداع الشاعر معنى لم يسبق إليه ، أو اجتهاد الفقيه فتوى بتجاوز فيها التقليد ، يكون نبل النبلاء أحياناً بدعة في جيل متمرد على خصال الإحسان ، لا يتجاوز عن حق ، ولا يغض الطرف عن خطأ.
* منهم شاب عراقي في أزهى سنوات شبابه، يتمرد على الأعراف، ويتجرد فيتزوج أرملة من شهدا الجهاد السوري ، وضم تحت جناحه أربع بنات لها، يربيهن ويحيي مذهب المروءة.
* ومتورط بوجه فيها طبيعة ينكرها عرف الأحرار ، وآخر تعجل واستحبى فورطوه بامرأة لا تناسبه ، فيصبران ويستران.
* ورئيس جميعة في مؤتمرها السنوي، يركض بين يدي الضيوف ، يحمل متاعهم، ويوصلهم إلى غرفهم ، ويسألهم عن طلباتهم ، ويركض معه إخوان آخرون، حتى ينكهم التعب ،وينكهوا الشياطان بالتواضع، وتذكر وقفتهم بقصص رجل صالح: ينفق عشرات الملايين في وجوه الخير، لكنه ما زال في بيته القديم، وذا أتاه ضيف : نحى الخدم، وحمل الصينية فيها الطعام على رأسه ، إكراما للضيف.
وداعية جهل عليه ، فكان أعقل ، وكظم وصفح.
فهؤلاء ، مظهر قدر الله تعالى في استمرار سند المكارم، ووقفاتهم برهان على نزعة الأصالة.
* لكن بالمقابل .. نفر يجزعون..!
ولو اطردت هذه المناقب لجميع السالكين لوصلوا منذ وقت بعيد ، ولكن شاء الله وحكم أن يكون مع الراكض قصير الخطوه ، ومع حديد النظر من يقرك عينه.
* منهم قوم يجزعون ، وليس يليق للدعاة أن تستولي عليهم الحساسية التي تتركهم في تبرم لو فحصت سببه لما ألقيت ثم غير صغار.
* فالجزع عند المعاتبة – مثلاً – ينحت نحتا ضاراً من قابلية استدراك الخطأ ومعالجة العيب، وكل داعية لا بد خطأ، ولا فر من طبيعته الإنسانية، وليس يصح لأحد أن يألم لكلمتين خفيفتين تقالان له، بل حتى ولا لثقبيلتين.
* والحياة المعايشة اليوم يسودها تنافس شديد ، وكل مدير دائرة أو متمكن نزاع إلى بني جلدته ومعارفه يقدمهم ويدخر الفرص لهم، وخير لكل يتخرج أو يهاجر أن يطيل صبره وأن يدع التأفف، فإن الأرزاق مكتوبة، والوسطاء من إخوانه يأخذون بالأسباب ما أستطاعوا ، وليحسن بهم الظن، فإن لم ينل الوظيفة وزهدت الجامعات في طاقات فكرة فليس إلى المتخرجين والباحثين عن عمل أجمل من أن يتواضع ، وينزل إلى ميدان المهن وأعمال الخدمات المدنية ويأكل من عمل يده ، وليتحمل الشمس والبرد ، وله أن يفخر بقطرات عرق ترى على جبينه، أو رعشة في يده من إرهاق، فإن العمل شرف ، ومن التعسف أن يشترط لوظيفته أو مهنته أن تجلسه خلف مكتب وتحت مكيف هواء، وسيأتي الوقت الذي يدلف فيه إلى وظيفة مريحة أو تجارة رابحة).
* وهجرة من هارج إنما هي لله تعالى ، ولذلك لا يعيب المهاجر أن يفهم وضعه كما هو ، وأن يتكيف لحقائق الحياة الصعبة في دارة الهجرة ، ويعرف أنه محروم من كثير مما يتمتع به الناس ، بل مما يتمتع به بعض أصحابه المهاجرين وبخاصة في كماليات الحياة وزينتها، وليس له أن يرهق إخوانه بطلب جواز سفر مثلا للحج أو العمرة أو الاصطياف إذا كان أمنا في سرية ولا تشير السلطات في محل إقامته قضية الجواز ، وليتذكر خروجه يوم هجرته خائفا يترقب وليس بينه وبين الموت غير إصبع إذا الملأ يأتمرون به ليقتلوه ، فأمنه الله وتجاه وتربع في أرض المرابع.
* وأيما رجل منا شارك إخوانا له في تجارة فليعلم أنها تجارة كاسمها، فيها احتمال الخسارة وضياع المال، والتوفيق من الله تعالى، وليس كون ماله ( تحويشة العمر) بمعط له ميزة في رفع الصوت على أخيه الذي تولى الصفقة فوكس، ولا له حق التذمر الصاخب، وفي الشكوى الهادئة شيء من البأس كذلك وإن كانت أخف غلطاً.
* وتركه لداعية وجد في أمر لِة تقصا أن يجزع ، في صويحبات أصحابه ربما هن كذلك أيضا ولسن بصحابيات ، واقرب للمروءة أن يصبر ، بلا إذاعة للشكوى، وليعمل عملا صالحاً يدخله الجنة ، فهنالك الحور العين يتخير منهن ما يشاء.
*حتى في الأمر التعاوني نجد للجزع روادا ، فمنهم من يستسلم للهموم المعاشية أو العائلية ويترك العمل والمشاركة في وجوه النشاط ، ومن يضرب عن حضور اجتماع أجله المدير وأكثر من مرة، احتاجا على التأجيل ، ولا يدرك الضرورات أو المصالح التي تنهض عذرا ، وآخر له نفس صافية، يتولى قطاعا أو منطقة أو لجنة وتحت إمراته فضولي ملحاح ، فيقل تدخلاته ، وينزل عند إلحاحه، ضجرا فحسب، ولا يكون حازما ، أو آخر مثله، لكنه لا يصبر على أذى إخوانه له أو يكظم، بل يكيل لهم الصاع بصاعين، وتكون الدقة بدقتين لا يعرف التربية بطول الإنارة واستيعاب الجافي.
إن مثل هذه الأحوال ،ومثل ذلك الانهيار أمام شدائد المعيشة، هي شواهد على أن حاجيات الناس في الحياة:
( لا تتعقد بطبيعتها ، ولكن بطبائعهم فيها، ولا تستمر بقوتها، ولكن بإمداد قواهم لها ، ولا تغلب بصولتها ، ولكن يجزعهم منها ، ولا تعضل من ذات أنفسها ، ولكن من سوء أثرهم عليها ، وسوء نظرهم لأنفسهم ولها) (5) .
وهؤلاء إخواننا يأخذون حرفية المجاز الذي في قول عمر – رضي الله عنه - وترتيب المسؤولية على نفسه لو عشرت بغله بأرض العراق، وينزلون ذلك تنزيل الحقيقة، ويحسبون أن كل تعثر بغلته اليوم بأرض بيشاور، أو جبال الأناضول ، أو أرصفة شيكاغو ، فإن الإمارة مسؤولة عنها مسؤولية تكليف قانوني تام بحق جازم ، وليست هي مسؤولية أخلاقية بحدود التكافل الأخوي الذي يحرص عليه الأمير ما استطاع ويحاسب عليه بالحسنى.
إن مصارحتنا هذه إنما هي محاولات لفهم أسرار النفس الإنسانية ، ومن باب طلب إتقان التعامل معها، وتبرأ من تعيير لأحد أو قصد سوء أو تشهير ، والمحرك لنا هو طلب الكمال والمراتب السامية، ونحن ندرك أن أضعف داعية هو أرقى مضاعفة في أخلاقه من أقوى السائبين.