وهو أن يضطر المسلم إلى التعريف بنفسه ، وذكر بعض خصائصه التي تؤهله لمهمة ما ، وذلك عند من لا يعرفه، أو عند من ليس له علم سابق ، ومن أمثلة ذلك ، ما قد يعرف به الإنسان فضله في تبيان علم أو تأليف كتاب ، وفي ذلك من روائع البيان ما كتبه السيوطي في التعريف بفن الأشياء والنظائر ، وجهده في جمعه ، فكتب له مقدمه رائعه ، نقتبس منها ما يلي:
( إن هذا الفن لا يدرك بالتمني ، ولا ينال بسوف ولعل ولو أني ، ولا يبلغه إلا من كشف عن ساعد الجد وشمر ، واعتزل أهله وشد المئزر ، وخاض البحار وخالط العجاج ، ولا زم الترداد إلى الأبواب في الليل الداج ، يدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلا ، وينصب نفسه للتأليف بياتا ومقيلا ، ليس له همة معضلة يحلها، أو مستعصية عزت على القاصرين فيرتقي إليها ويحلها ، يرد عليه ويرد ، وإذا عذله جاهل لا يصد ، قد ضرب مع الأقدمين بسهم، والغمر يضرب في حديد بارد، وحلق على الفضائل واقتنص الشوارد.
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
يقتحم المهمة والمهولة الشاقة ، ويفتح الأبواب المرتجة إذا قال الغبي لا طاقة ، إن بدت له شاردة ردها إلى جوف الفراء أو شردت عنه نادرة اقتنصها ولو أنها في جوف السماء ، له نقد يميز بين الهباب والهباء ، ونظر يحكم إذا اختلف الآراء ، بفصل القضاء ، لا يأتي عليه تمويه الأغبياء . وفهم ثاقب لو أن المسألة من خلف جبل قاف لخرقه حتى يصل إليها من وراء على أن ذلك ليس منه كسب العبد. وإنا هو فضل الله يأتيه من يشاء ).
وهذا الأمر من أجل التعريف بفن جديد ، قد أبد فيه .
ثم بعرج على كتابه فيقول:
( وأنت إذا تأملت كتابي هذا علمت أنه نخبه عمر ، وزيادة دهر، حوى على المباحث المهمات، وأعان على نزول الملمات، وأنار مشكلات المسائل المدلهمات ، فإني عمدت فيه إلى مقفلات ففتحتها ،ومعضلات فنقت حتها ، ومطولات فلخصتها ، وغرائب قل أن توجد منصوصة فنصصتها ).
ونرى أنه قد أثنى على نفسه مرتين أولهما لأجل الفن ، والأخرى لأجل كتابة نفسه ، ومثل السيوطي ما فعله قبله الإمام تاج الدين ابن السبكي المتوفي ( 771هِ ) ، يحث قال عن فن ( الأشباه والنظائر ) أيضا:
( اعلم أن أهم ما عني به الفقيه ... القيام بالقواعد واختلاف المأخذ واجتماع الشوارد ، وذلك أمر شديد لا ينال بالهويني ، ولا يدرك شأوه إلا من تصدى بأعمال قلب وقالب.. ).
ثم يستطرد بالحديث عن كتابه الذي حرره من كتاب أبن الوكيل فيقول :
( .... فعمدت إلى هذا الكتاب فاحتلبت زيده، وقذفت من بحر فوائده زيده، وجمعت عليه من الأشباه نظائر، فالأرواح جنود مجندة ، حررته في الدجى بشهادة النجوم ، ولا قيت عسره بهمة نبذت سهيلا باعراء وهم مذموم ، وجلوت من الأشباه عروس شاب لا شبيه لها مظنون ولا معلوم ... ) (26) .
وقال إمام الحرمين يصف كتابه ( النظامي) بقوله:
( قد تقدم الكتاب ، محتويا على العجب العجاب، ومنطويا على لب الألباب ، أحدوثة على كر العصر ، وغرة على جبهة الدهر، يعشو إلى منارها المرتبك في الشبهات ، ويلوذ بآثارها المنسلك في مثار المتاهات، ويقتدي بنجومها المترقي في مهاوي الورطات ، وينخنس برجومها المتعثر في أذيال الضلالات ... ) (27) .
والدليل على صحة هذا المهج عند المؤلفين ما قاله القرطبي إستنادا إلى مقولة يوسف – عليه السلام :
( إنما قال ذلك عند من لا يعرفه ، فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى ( لا تذكوا أنفسكم ) ... ) (28) .
وهناك العشرات من هذه الأمثلة نراها في مقدمات كتب بعض السلف والتابعين ، وإن كان التواضع أولى ، ولكن يستحسن الثناء على الفن إذا كان فريدا في بابه ، ويقود المدح إلى إطلاع الناس عليه ، وكذلك الحكم بالنسبة للثناء على الكتب أو المحاضرات والدروس ، مع ضرورة مراعاة الكتاب او المربي ضوابط المدح التي سيأتي ذكرها فيما بعد ..
ومن التعريف الذي لا بد منه للداعية أمام إخوانه أن يذكر قابليته في أمر ما ، كان يقول العبارات التالية التي يمكن القياس عليها:
أنا أعلم الناس بالفن الفلاني : لأ نني درسته كثيرا ، أو أعددت رسالة جامعية فيه.
أنا أعلم الناس بظروف البلد الفلاني لأنني عشت فيه سنوات ، وزرته مرات عديدة ، واختلطت بأهله وعشائره ، ورجاله وساسته.
أنا أعلم الناس بما يجري بالمنطقة الفلانية لأنني من أهلها ، أو تزوجت منها ، أو خالطت أهلها بكثرة.
أنا أعلم الأخوة بفلان من الناس، لأني خالطته ، بكثرة ، أو أنه من أقاربي وأهل بلدي.
أنا أعلم الأخوة بالحدث الفلاني ، لأنني شاركت فيه ، أو راقبته ودرسته فيها.
أنا خير من يستشار في أمر الجماعة الفلانية ، لأنني كانت عضوا فيها.
وهكذا الأمور الدعوة المختلفة، سواء كانت فكرية ، أو تربوية ، أو سياسية ، أو اجتماعية ، مما يستحسن للأخ الداعية أن يبين كفاءته فيها ومعرفته بأمورها.