** وبعد معرفة كراهية مدح النفس ، والضوابط التي تستثنى فيها بعض الحالات فما موقف الممدوح عندما يمدح ؟ وخصوصا أن قابل المدح ومن يظهر الفرح به يكون كمادح نفسه ، وذلك معلوم بالفطرة، ويدركه العقلاء، إذ قيل:
( إن قابل المدح كمادح نفسه ، والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده ، فإن الراد له ممدوح ، والقابل له معيب) (31).
والجواب : إن قبول المدح – وخصوصا إذا كان متكلفا – كمدح النفس المذموم . وقد أثبتت تجارب الحياة الدعوية أو أن المكثر من مدح داعية قديم بتكلف مبالغ فيه غلابا ما ينقلب إلى الضد في العداوة ، لأن مدحه لم يكن خالصا لله تعالى، بل وقد نشاهد أحيانا إثنين يكثر أحدهما من مدح لآخر ، ولا يلبث أن يتحول جميل المدح بينهما إلى ذميم القول، ويكشف أحدهما عيون الآخر ، ويكشف أستاره ، ولقد أدرك السلف ذلك ، فعبر عن هذه الحقيقة على بن الحسين – رضي الله عنه قائلا:
( ألا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم ، إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم ، ولا يصطحب أثنان على غير طاعة الله إلا أوشكا أن يفترقا على غير طاعة الله ).
ولهذا فليحذر الدعاة من المدح الكاذب والثناء الزائف ، فإنه كمدح النفس سواء بسواء.
( وإذا سمعت الرجل يقول من الخير ما ليس فيك ، فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك ) (32).
( من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك، ذمك بما ليس فيك من القبيح ، وهو ساخط عليك) (33).
وعلى الممدوح أن لا يقبل مدح المادح إلا وفق نفس الضوابط ، وعند وجود نفس الظروف السابقة والمحققة للمصلحة.
والمسألة سواء إذا كان الممدوح يستحق المدح أو أنه يمدح بما ليس فيه .
** إن قبول المدح والالتذاذ به ، وميل الطبع إليه دليل شعور النفس بالكمال، وابتعادها عن النقص، أو أن قلب المادح مملوك للممدوح، وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ، أو أنها سبب لاصطياد القلوب ، أن المدح دليل حشمه الممدوح وقدرته ، وكل ذلك يؤدي بدرجه تنقص أو تزيد إلى قطع عنق الممدوح ، وشعوره بالعجب والفخر إلا من عصم الله تعالى.
وعلى الداعية والمربي – والأمير خصوصاً – أن يسد أفواه المداحين، وأقل درجاته أن يستوي عنده المدح والذم، ويمتعض من المدح والمتكلف،ولا يصيبه الغم من الذم ، ولا يجد في نفسه نشاطا لإعانة أو توثيق المادح، أو تضعيفا للنقاد والناصح ،كما على المربي أن يستعلي عن كون زلة المادح أقل في ميزان الجرح والتعديل من زلة الذام ، وغير ذلك ، ومما يدرك بالعقل الراجح والفطرة السليمة أن مدح قد رجح شيئا في نفس الممدوح لم يكن لو لا النطق بهذا المدح.
( وعلى الممدوح أن يكون شديدا الاحتراز عن آفة الكبر والعجب، وآفة الفتور ، ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ، ودقائق الرياء ، وآفات الأعمال، فإنه يعرف من نفسه مالا يعرفه المادح ولو أنكشفت له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح .. وعليه أن يظهر كراهية المدح بإذلال المادح ... ) (34).
وإضافة إلى ما ذكر من عيوب مدح الذات، فإن المعروف من فطر النفوس أن المدح يفتر الممدوح عن العمل ، مما يضيف سببا في كراهيته.
( فلا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرا أو إعجابا أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل ، لأن الذي يستمر في العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصراً) (35).
وتزداد الكراهية في تقبل المدح إذ كان موجها للممدوح بذاته ، أو دون حضور غيره ، أما عند استماع الآخرين فيظل الأمر على أصل الكراهية مع استثناء ما ذكر من الظروف المصلحية ، كالمدح لغرض التوليه الشرعية ، أو إسناد المهمة الدعوية ، أو الدفاع عن عرض الشخص الممدوح ، أو ما قد يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتعلق بذلك من شهادات وحقوق، وكذلك في الأمور المترتبة على الجرح والتعديل ، وفي ظروف المصلحة المترتبة على المديح من اجل الاقتداء بالممدوح في أعمال البر والخير والجهاد ، وفي مسائل الإصلاح بين الناس ، وما قد يستشهد به لأغراض الوعظ والتذكير ، وكذلك يستحب المدح أمام الأعداء ، لإبداء قوة الممدوح وكفاءته ،مما فيه مصلحة ، وكذلك عند الاضطرار للتعريف، فتعريف الغير خير من أن يعرف الإنسان بنفسه ، لأن لسان المرء عن ثناء نفسه قصير ، وتكليف غيره عند الحاجة إلى ذلك أدعى لدفع تهمه التفاخر والتعاظم عنه ، وغير ذلك من الأمور التي تقاس بما ورد ذكره.
** وعلى الداعية والمربي، وهو يتخلص من آفات المدح لنفسه أو من غيره أن يتذكر معاتبة النفس دواما.
وأعلم – أيها الداعية – أن ألد أعدائك :نفسك التي بين جنبيك ، وقد أمرت بتزكيتها وتقويمها ، وقودها بسلاسل القهر إلى عباده ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها ، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك ، والعبد الحق من عرف حقيقة نفسه ، وترك مدحها إلا لمصلحة ولم يستمع ثناء غيره.
( ولله دار الشيخ أبي مدين حيث يقول: من تحقيق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء ، وأحواله بعين الدعوى ، وأقواله بعين الإفتراء ، وكلما عظم المطلوب في قلبك ، صغرت نفسك عندك ، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله ، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية ، وعرفت الله ، وعرفت النفس ، تبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولو جئت بعمل الثقلين .. وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله .. ) (36).