قد يضطر الداعية فردا كان أو مسؤولا للحديث عن نفسه جرحا أو تعديلا ، ويتباين حجم هذا الحديث من شخص لآخر ، كما يختلف خفة وجنوحا ، وتختلف الدوافع له ، فقد يتحول من التواضع الملازم لنقد الشخص نفسه إلى التكلف، ومن المدح التعريفي إلى الغروم المذموم، وتتباين استجابة الآخرين كذلك لكل من الذم والمدح معا، ما بين مصدق ومكذب، أو بين راض مشارك أو رافض مناكف معا. وما بين مستمع معجب، أو ساكت على مضض ، وبالتالي فإن عملية التقويم قد تكون نافعة في بعض الأحيان ، ولكنها مضرة في معظم الأحايين، وقد يلجأ إليها الداعية أحيانا، دونما شعور بالضرر ، مما يؤدي إلى تصاغره في أعين إخوانه، وقد يبرر البعض لأنفسهم عذرا، بينما تكون قاصمة لظهره عند غيره.
ومن جهة أخرى ، قد يلجأ الداعية الأمير أو المربي لتباين نفسه بالحق بالخير الذي عنده ، ووفق موازين شرعية صحيحة، ولكن قصور الفهم عند غيره ، وعدم إدراكهم لأدلة المدح الشرعية أو الموازنة بين المصالح يسبب إعابة لقوله الصحيح ، وقد يؤدي إلى أن يلجأ البعض إلى النقد والتجريح، والبعض إلى الثناء والمديح ، ولما بينهما من بون في التقويم تحصل القالة، وقد تتطور إلى فتنة بعد غيبة ونجوى.
إن حصول هذه الظاهرة وسط الجماعة المؤمنة، تقود إلى ضرورة بيانها كمفهوم تربوي ، يحتاجه الدماء القدماء كحاجة الجدد ، ولا بد من إيضاح أدلته الشرعية ، وضع الموازين الضابطة له ، التي تخدم الأهداف وتقي مواطن الزلل ومكامن الخلل.