إذ أن المسلم الصادق – والمفروض بالداعية ذلك – توخي النية الصالحة وصواب العمل في مدحه لذاته ، مما يوجب عليه أن يمدح أيضا – توخيا للإنصاف من يشاركه في الفضل المكافئ من إخوانه – فهذا أدعى إلى العدل والإحسان ، ودليل الأخوة والمروءة ، وقرينة على صدق التوجه ، وخلوص النية.
* فإذا مدح نفسه لرد تهمه ، فعليه مدح نظرائه ممن وقعت عليهم نفس التهمة.
* وإذا مدح نفسه لمصلحه دعوية في علم أو عمل ، فعليه مدح من يوازيه في ذلك.
* وإذا مدح لتعريف أو أمر بمعروف ، فالإنصاف يقتضي مدح من شاكلة في الأمر.
* وإذا رشح نفسه لمهمة أو ولاية، فما يضيره ذكره غيره من إخوانه من أشباهه.
... وهكذا يقاس على الأمر بقية الوجوه ومقاصد المدح.
ونعني هنا الموازنة بين المدح الجائز ، وبين التواضع الممدوح ، وهذا ما يحدده الداعية لنفسه ، وعليه أن يراقب قلبه دائما ،ولا يقع تحت طائلة التبرير، ويستغل جواز المدح للاستمرار والمبالغة فيه ، حتى يخضع لتلبيس الشيطان عليه ، فيتحول المدح – بمرور الأيام وستسهاله – إلى الغرور العجب.
وقد وقع للعلماء والسلف أمثال ذلك في قصص كثيرة ، نكتفي منها ما وقع للماوردي – شيخ الشافعية وقاضي القضاة في زمانه – حيث صنف في البيوع كتابا أجهد فيه نفسه ، وكد خاطره ، فأعجب به وأغتر ، فجاءه أعرابيان من البادية روى قصتهم:
( فسألاني عن بيع عقداه في البادية ، على شروط تضمنت أربعة مسائل ، لم أعرف لواحدة منهن جوابا ، فاطرقت مفكرا وبحالي وحالها معتبراً .. فكان ذلك زاجر نصيحة ،ونذير عظه ، تذلل بهما قيادة النفس ، وانخفض لها جناح العجب، توفيقا منحته ، ورشدا أوتيته ، وحق على من ترك العجب بما يحسن ، أن يدع التكلف لما لا يحسن ... ) (30).
فلينظر الأخ الداعية قصة الماوردي ، وكيف استفاد من شعوره ، وما حصل له ، فاعتبره زاجر نصيحة ، وموعظة من الله له، ودرس وفقه الله إليه، حتى يترك العجب والتكلف ، وأن لا يغتر بنفسه ، ويبالغ في الثناء عليها ، فرب موهبة أعطاها الله لعبد ، تنسل منه في لحظة، وتؤخذ منه بيسر، ورب صفة امتدح الإنسان بها نفسه ونسي الله تنقلب عليه وبالاً . وتخلف فيه ذله ، بل قد تنقلب إلى عكسها ، وقانا الله شر مصارع النفس ، ومساقط الهوى ، وآفات القلوب.