** ولكن يستثنى من هذا الأصل في عدم جواز مدح النفس حالات يجوز فيها المدح، بل ويستحب أحيانا ، ويصل في بعض الأحيان- إلى درجة الوجوب. وهذا الإستثناء محدد بضوابط وحدود يجمعها عمل المصلحة الشرعية، وبعض العلماء لم يأذن بمبدأ الإستثناء من الأصل، وإنما اعتبر مدح الذات على نوعين محمود ومذموم ، ومنهم الإمام النووي حيث قال:
( أعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم ، ومحبوب... فالمذموم : أن يذكره للافتخار وإظهار الارتفاع ، والتميز على الأقران ، وشبه ذلك.
والمحبوب : أن يكون فيه مصلحة دينية ..... ) (9) .
ولا مشاحه في التقسيم فالنتيجة واحدة.
ومن أجل تبيان جواز المدح نذكر بعض الأدلة والشواهد التي تدل على الجواز ابتداء، كما أنها توضح المواطن التي يجوز فيها المدح.
** منها : قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين:
" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) (10) .
( وفيه جواز الانتساب إلى الأباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها ... وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة ، وعدم المبالاة بالعدو) (11) .
ورغم وضوح الاستدلال ، وتخصيص هذا الأمر بالحرب ، ففي غيره من الأحاديث سعة ، فلقد جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، منها:
" أنا سيد ولد آدم" ، " أنا أعلمكم بالله وأتقاكم" ، " أنا أحق من وفي بذمته" ، " أنا أفصح العرب" ، " أنا أكثر الأنبياء تبيعا يوم القيامة".
" أنا حبيب الله ولا فخر ".
وجميعها تدل على جواز المدح في الحرب وغيره:
*وأقول الصحابة كثيرة جدا.. منها:
مدح عثمان رضي الله عنه لنفسه حيث قال محاجاً من ثار عليه وتربص به:
( ... ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة ، فحفرتها؟ ألستم أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزتها ؟ ) فصدقوه بما قال...
هو جزء، من حديث طويل ، قال في شرحه ابن حجر ، رحمه الله:
( وفيها جواز تحدث الرجل بما فيه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة أو تحصيل منفعة ،وإنما يكره ذلك عند المفاخرة والمكاثره والعجب) (12) .
- ومدح ابن مسعود رضي الله عنه نفسه فقال:
( ... والله لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله تعالى، وما أنا بخيرهم .. ).
وقال:
( والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت ، لو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) (13) .
وواضح أن مدحه لنفسه كان لرد اعتراضات عليه.
ومنها ما قالته عائشة بنت سعد رضي الله عنها :
( أنا ابنه المهاجر الذي فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبويه يوم أحد ) (14) .
وغير ذلك ، مما هو كثير في أقوال الصحابة في مناسبات شتى ، وكذلك في أقوال التابعين مما لا يترك مجالا للإعتراض على جواز المدح.
وبقي بعد ذلك أبرز دليل : ما كان من القرآن الكريم ، وهو قول يوسف عليه السلام
( قال أجعلني على خزائن ، الأرض حفيظ عليم ) (15) .
وهذا من مدح نفسه :
قال الرازي :
( إن مدح النفس إنما يكون مذموما إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر، والتوصل إلى غير ما يحل ، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم) (16) .
وقال القرطبي:
( ودلت الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل ).
قال الماوردي:
( وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ، ولكنه مخصوص فيما اقترن بمصلحة ، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه ، لما فيه من تذكية ومراءاة ، ) فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ) (17) .
وفي كتب التفسير الأخرى مزيد من ذلك ، وكذلك في شروح متون الحديث ، ومظان وجودها في كتب التفسير عند تفسير سورة يوسف ، أما في الشروح الحديثية ففي أبواب المناقب والسير.
وسوف يأتي المزيد من الشواهد عند الإستدلال بها للأحوال الخاصة التي يجوز فيها مدح النفس .