فمبدأ النقيض ابتداء - كما هو فى فلسفة نيتشه وهيجل - مجرد تحكم تصورى فكرى ، لا رصيد له من الواقع - كما أسلفنا - وحين يطبقه كارل ماركس على تاريخ الجماعة البشرية ، يتعمد أولا أن يسقط جميع مقومات الجماعات البشرية ، التى يمكن أن يجرى فيه التحول - إذا صح مبدأ النقيض - ويعتمد فقط المقوم الاقتصادى ويشرح التحول فيه - وهو على كل أهميته - لا يمثل كل مقومات الحياة الإنسانية .. ثم هو بعد ذلك كله يعتمد تاريخ جماعة معينة - هى الجماعة الأوربية - ثم هو يتحكم فى تاريخ هذه الجماعة الخاصة ، فيختار نقطا معينة فيه ، فضلا على استحالة إدراك فرد واحد ، فى جيل من الأجيال ، لجميع العوامل والمؤثرات التى لعبت أدوارها فى حياة هذه الجماعة على مدار القرون ! فيختار مظهرا واحدا من مظاهر نشاطها ويهمل سائر المظاهر ! ثم يتحكم مرة رابعة أو خامسة أو عاشرة ، فيعتبر أن كل وضع تال خير من الوضع السابق له على الإطلاق . ومع ذلك لا يريد أن يدع العجلة تمضى إلى وضع خير من الشيوعية .. بل يتوقف سير التاريخ عند هذه النقطة ! ويضحى بالخير الآتى !!!
ومع هذا التهافت فى بناء المذهب على مجرد التحكم والهوى ، فقد صحبته لوثة فى وزن القيم لم تقتصر على معتنقيه بل تجاوزتهم إلى المعارضين له كذلك : فى أوربا وفى أمريكا ! لوثة التخلى عن كل ما سبق ، والتقاط كل ما هو لاحق . ولوثة التحلل من كل قيمة تصد الشهوات عن الانطلاق بلا حدود ولا قيود ، ولوثة السخرية من ثبات القيم الأخلاقية وغير الأخلاقية . اللوثة التى كان للماركسية من ورائها هدف خاص ، وغاية مرسومة سلفا . ولم تكن هى بذاتها نتيجة منطقية لأية دراسة علمية !
فالتطور المطلق هو مجرد عملية تبرير لكل ما يراد عمله أولا وقبل كل شئ عملية تبرير لما تريده الدولة بالأفراد ، بحيث لا يكون هناك حق ثابت يفئ إليه الجميع ، ولا دستور ثابت يتحاكم إليه الجميع !
وفى نظير إطلاق يد الدولة تجاه الأفراد من كل قيد ، تطلق الدولة شهوات الأفراد من كل قيد . ليجدوا فى هذا الانطلاق الحيوانى تعويضا عن قيمهم المسلوبة ، وحرياتهم المسلوبة ، وحقوقهم المسلوبة !
انطلاق حيوانى للشهوات ويقابله انطلاق استبدادى للسلطة .. واحدة بواحدة .. وبدلا من أن تقوم هذه الصفقة على مجرد الاصطلاح العرفى الصامت بين الفريقين ! فإنها تقوم على مبدأ فلسفى ! وعلى مذهب علمى ! تقوم على مبدأ النقيض وتقوم على المادية الجدلية !
وهذا هو المذهب الذى يزعم أن الدين مخدر وأن ثبات القيم فى الدين مقصود به خدمة الطبقة الحاكمة !
***
إن هذا الثبات فى مقومات التصور الإسلامى وقيمة - فضلا على أنه امتداد للنظام الكونى - هو الذى يضمن للحياة الإسلامية خاصية الحركة داخل إطار ثابت حوا محور ثابت فيضمن للحياة الإسلامى وللحياة الإسلامية مزية التناسق مع النظام الكونى العام ، ويقيه شر الفساد الذى يصيب الكون كله لو اتبع أهواء البشر ، بلا ضابط من قاعدة ثابتة لا تتأرجح مع الأهواء .
وهو الذى يقى الفكر الإسلامى ويقى المجتمع الإسلامى مثل تلك اللوثة فى الفكر الماركسى وفى الجماعة الشيوعية ، وهى اللوثة ذاتها التى أصابت الفكر الغربى والمجتمعات الغربية بصفة عامة - حتى وهى تعرض الماركسية من الناحية المذهبية والسياسية - وذلك منذ أفلتت من نطاق العقيدة ، فى ظل تلك الملابسات النكدة ..
وهو الذى يبث الطمأنينة فى الضمير المسلم ، وفى المجتمع المسلم .. الطمأنينة إلى ثبات الإطار الذى تحرك فيه حياته ، وثبات المحور الذى تدور حياته حوله . فيشعر أن حركته إلى الأمام ، ثابتة الخطو ، موصولة الخيط ، ممتدة من الأمس إلى اليوم إلى الغد . نامية مطردة النمو . صاعدة فى المرتقى المرسوم ، بالتقدير الإلهى القويم .
ثم هو - فى النهاية - الذى يضمن للمسلم فى المجتمع الإسلامى مبادئ ثابتة يتحاكم إليها هو وحكامه على السواء . فلا يطلق هؤلاء أيديهم فى مقوماته وحرياته وحقوقه ، وفى مقابل أن يطلقوا هم حرية الشهوات والنزوات الحيوانية للجماهير المكبوتة فى قماقم الاستبداد !
وبعد فإن التصور الإسلامى - من ثم - يقوم على أساس أن هناك حالتين اثنتين للحياة البشرية . ولا علاقة للزمان أو للمكان فى تقدير قيمة هاتين الحالتين . إنما القيمة لذات كل حالة . ولوزنها فى ميزان الله الثابت ، الذى لا يتأثر بالزمان والمكان ..
حالتان اثنتان تتعاوران الحياة البشرية على مدى الزمان واختلاف المكان : حالة الهدى وحاله الضلال - مهما تنوعت ألوان الضلال - حالة الحق وحالة الباطل - مهما تنوعت ألوان الباطل - حالة النور وحالة الظلام - مهما تنوعت ألوان الهوى - حالة الإسلام وحالة الجاهلية - وإما أن يلتزم الناس الإسلام دينا (أى منهجا للحياة ونظاما) وإلا فهو الكفر والجاهلية والهوى والظلام والباطل والضلال .
إن الدين عند الله الإسلام …
(آل عمران : 19)
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلا يقبل منه ..
(آل عمران : 85)
فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟…
(يونس : 32)
ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون …
(الجاثية : 18)
وأن هذا صراطى مسقيما فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله …
(الأنعام : 153)
الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات …
(البقرة : 257)
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون …
(المائدة : 44)
أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟
(المائدة : 50)
فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر …
(النساء : 59)
فإذا ثبت هذا الإطار استطاعت الحياة – فكرة وتصورا وواقعا ونظاما – أن تتحرك فى داخله بحرية ومرونة ، واستجابة لكل تطور فطرى صحيح ، مستمد من التصور الكلى الثابت القويم.
والقيمة الكبرى لهذه الخاصية هى تثبيت الأصل الذى يقوم عليه شعور المسلم وتصوره ، فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامى فى استقرار وثبات . مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعى فى الأفكار والمشاعر ، وفى الأنظمة والوضاع . فلا تتجمد فى قالب حديدى ميت – كالذى أرادته الكنيسة فى العصور الوسطى – ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه žوانفلات القطيع الشارد فى المهلكة المقطوعة كما صنعت أوربا فى تاريخها الحديث ، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الماركسى الشائه .
ولعل هذه الخاصية هى التى ضمنت للمجتمع الإسلامى تماسكه وقوته مدى ألف عام . على الرغم من جميع الهزات ، ومن جميع الضربات ، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به فى كل مكان .. ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية فى تصوره ، وإلا منذ أن أفلح فى تنحيه التوجيه الإسلامى ، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه فى العالم الإسلامى (1) .
ومما لاشك فيه أن المجتمع الذى يجرى دائما وراء تصورات متقلبة أبدا ، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقا ، تنبع من الفكر البشرى المحدود المعرفة ، الظنى المعرفة كذلك ، الذى يبنى عمله – مهما علم – على الظن والحدس والخرص ، والفروض المتقلبة أبدا .. ثم يجعل من هذا العلم الظنى إلها ، أو يجعل من الهوى المتقلب إلها ، يتلقى منه التصورات والقيم والموازين .
ما لا شك فيه أن مجتمعا كهذا معرض دائما للهزات العنيفة ، والأرجحة المستمرة ، التى تنشئ فى عقله الحيرة ، وفى ضميره البلبلة ، وفى أعصابه التعب ، وفى حياته الشرود الشرود ، وفى كيانه الفساد .
وهذا هو الذى حدث فى المجتمعات الأوربية المفلتة من كل أصل ثابت . وهذا الذى تشقى به البشرية كلها اليوم . وهى تخبط فى التيه ، وراء المجتمعات الأوربية الشاردة (1) .
لابد من تصور ثابت المقومات والقيم ، يجئ من مصدر ثابت العلم والإرادة ž، مصدر يرى المجال كله ، والخلط كله ، فلا تخفى عليه منحنيات الدرب ، ولا يقدر اليوم تقديرا يظهر فى عد خطؤه ونقصه ، ولا تتلبس به شهوة أو هوى يؤثر فى موازينة وتقديراته .. ولا ضير بعد هذا من الحركة والتغير والتطور والنمو والترقى .. بل تصبح كلها مطلوبة ، وتصبح كلها مأمونة ، وتصبح كلها تلبية للفطرة : القائمة على الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت . ولكنها حركة راشدة واعية ، مدركة للغاية الثابتة التى تتجه إليها ، فى خطو متزن ، مستقيم راسخ .. وهذا هو ضمان الحياة الطويلة المدى ، المتناسقة التصميم .
ولا نحتاج إلى الحيطة ضد التجمد فى قالب حديدى ، ونحن نستمسك بهذه الخاصية فى التصور الإسلامى – خاصية الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت فخاطر التجمد لا يرد على مثل هذا التصور ، ولا على الحياة التى تتحرك فى إطاره .
فالحركة كما قلنا هى القاعدة فيه ، كما أنها هى القاعدة فى التصميم الكونى . والكون لا يتجمد ولا يأسن ولا يفسد ولا يركد . فهو فى حركة دائمة ، وفى تغير دائم ، وفى تطور دائم ، وفى تشكل مستمر فى كل لحظة . ولكنه يتحرك مع استبقاء حقيقته الأصيلة كما قلنا فى مطلع هذه الفقرة.
وحين نطالع مذاهب الفكر الغربى ، فنرى الطابع الغالب عليها هو اعتبار التطور المطلق – دون الرجوع إلى أى أصل ثابت – فيجب أن نكون واعين للعوامل التاريخية التى جعلت هذا الفكر يجنح – أو يجمح – هكذا ، ويجب أن نفطن لما اندس فى هذا الفكر من عداء عميق كامن للتفكير الدينى على الإطلاق ، والأسباب القابعة وراء هذا العداء .ويجب أن ندرك أن مناهج هذا الفكر – بما اندس فى صلبها من هذا العداء – لا تصلح للتطبيق على مناهجنا الإسلامية ، ولا تصلح للاستعانه بها فى بحوثنا الإسلامية كذلك ž.
إننا نقتبس من هذا الفكر – تارة مناهجه ، وتارة النتائج التى وصل إليها ، وتارة رقعا ممزقة منه – ثم نخلط هذا كله بحديثنا عن الإسلام ، أو عن المجتمع ، أو عن مناهج الفكر والنظر .. وهذه كلها جهالة تتباهى وهى تتبدى فى ثياب المعرفة ž.
وأحيانا يضاف إلى الجهالة التفاهة وسوء النية كذلك .
يقول الأستاذ المهتدى محمد أسد (ليوبولدفايس) فى كتابه القيم : الإسلام على مفترق الطرق:
يخبرنا التاريخ أن جميع الثقافات الإنسانية ، وجميع المدنيات ، أجسام عضوية تشبه الكائنات الحية .. إنها تمر فى جميع أدوار الحياة العضوية ، التى يجب أن تمر بها . إنها تولد ، ثم تشب وتنضج ، ثم يدركها البلى فى آخر الأمر . فالثقافات كالنبات الذى يذوى ثم يستحيل ترابا , تموت فى أواخر أيامها ، وتفسح المجال لثقافات أخر ولدت حديثا .
أهذه إذن حال الإسلام ؟ ربما ظهرت كذلك عند إلقاء أول نظرة سطحية .. ما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية شهدت نهضة مجيدة ، وعهدا من الازدهار . وكان لها من القوة ما يلهم الرجال جلائل الأعمال ، وأنواع التضحية . ولقد غيرت معالم الشعوب ، وخلقت دولا جديدة .. ثم سكنت وركدت ، وأصبحت كلمة جوفاء .. وها نحن أولاء نشهد انحطاطها التام وانحلالها ,, ولكن هل هذا كل ما فى الأمر ؟
إذ كنا نعتقد أن الإسلام ليس مدنية من المدنيات الآخر ، وليس نتاجا بسيطا لآراء البشر وجهودهم ، بل هو شرع سنة الله لتعمل به الشعوب فى كل مكان وزمان ، فإن الموقف يتبدل تماما.
وإذا كانت الثقافة الإسلامية – فى اعتقادنا – نتيجة لاتباعنا شرعا منزلا .. فإننا حينئذ لا نستطيع أبدا أن نقول : إنها كسائر الثقافات ، خاضعة لمرور الزمن ، ومقيدة بقوانين الحياة العضوية .. ثم إن ما يظهر إنحلالا فى الإسلام ليس إلا موتا وخلاء يحلان فى قلوبنا ، التى تبلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلى .. ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية – مع نموها مع الحاضر – قد استطاعت – أن تشب عن الإسلام .. إنها لمن تستطع أن تبنى فكرة الإخاء الإنسانى على أساس عملى ، كما استطاع الإسلام أن يفعل ، حينما أتى بفكرة القومية العليا : الأمة .. إنها لم تستطع أن تشيد صرحا اجتماعيا يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلا على مثال ما تم فى النظام الاجتماعى الإسلامى .. إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان ، ولا أن تزيد فى شعوره بالأمن ، ولا فى رجائه الروحى وسعادته .
ففى جميع هذه الأمور نرى الجنس البشرى فى كل ما وصل إليه ، مقصرا كثيرا عما تضمنه المنهج الإسلامى .. فأين ما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه ؟ أذلك لأن أسسه دينية خالصة . والاتجاه الدينى زى غير شائع اليوم ؟ ولكن إذا رأينا نظاما بنى على الدين ، قد استطاع أن يقدم منهاجا للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفسانى فى الإنسان ، من كل شئ آخر يمكن العقل البشرى أن يأتى به عن طريق الإصلاح والاقتراح … أفلا يكون هذا نفسه حجة بالغة فى ميدان الاستشراف الدينى ؟
لقد تأيد الإسلام – ولدينا جميع الأدلة على ذلك – بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنسانى ، لأن الإسلام كشف عنها ، وأشار إليها ، على أنها مستحبة ، قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل .
ولقد تأيد أيضا – على السواء – بما وقع فى أثناء التطور الإنسانى من قصور وأخطاء وعثرات . لأنه كان قد رفع الصوت عاليا واضحا بالتحذير منها ، من قبل أن تتحقق البشرية أن هذه أخطاء .. وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الدينى نجد – من وجهة نظر عقلية محض – كل تشويق إلى أن نتبع الهدى الإسلامى ، بصورة عملية ، وبثقة تامة …
…نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام – كما يظن بعض المسلمين – لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل . أما الذى نحتاج إليه فعلا ، فهو إصلاح موقفنا من الدين ، بمعالجة كسلنا ، وغرورنا ، وقصر نظرنا ، وبكلمة واحدة : معالجة مساوئنا …
… إن الإسلام – كمؤسسة روحية واجتماعية – غنى عن كل تحسبن . وإن كل تغيير فى مثل هذه الحال يطرأ على مدركاته وعلى تنظيمه الاجتماعى ، بافتئات من ثقافة أجنبية – ولو بإشراق ضئيل – سيكون مدعاة إلى الأسف الشديد ، وسترجع الخسارة حتما علينا نحن (1) .
ونحن نقول ، إن الخسارة لن ترجع علينا – نحن المسلمين وحدنا – ولكنها سترجع على البشرية كلها .. سترجع على البشرية كلها بتشويه وتحريف المصدر الوحيد الباقى لها من هداية الله . وتكدير – أو تسميم – المورد الوحيد ، الذى يمكن أن تستقى منه الهدى الربانى الخالص .. وسترجع على البشرية كلها بحرمانها هذه المثابة الثابتة المستقرة ، فى الأرض المرجرجة التى تمور بالأهواء . والتى ظهر فيها الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ولم تعد لها منجاة إلا فى هذه المثابة الأمنة المستقرة ، الموصولة بالله ..
والذين يحاولون زعزعة هذه المثابة .. سواء باسم التجديد والإصلاح والتطور ، أو باسم التخلص من مخلفات القرون الوسطى ! أو تحت أى شعار آخر ، هم أعداؤنا الحقيقيون . هم أعداء الجنس البشرى . وهم الذين ينبغى أن نطاردهم ، وأن نطلب إلى الجنس البشرى مطاردتهم كذلك !
إنهم يتحدثون باسم التقدمية ضد الرجعية فى حين أنهم لا يزالون يقتاتون على نتاج القرن التاسع عشر ، أو القرن الثامن عشر – نتاج أوربا لا نتاجهم ! – ولم يصلوا بعد إلى نتاج القرن العشرين إنهم متخلفون فى تفكيرهم نصف قرن على الأقل . لم يعلموا بعد أن التفكير الأوربى نفسه ، بينما هم يتعبدون لمادية وجدلية الفكر الماركسى ومشتقاته ! ولنشوء وارتقاء دارون ومشتقاته ! إنهم رجعيون يزعمون أنهم تقدميون ! بينما التقدمية الحقيقية اليوم تجد نفسها مضطرة أن تعود إلى الدين . تتطلب عنده الطمأنينة والراحة واليقين . بعد الحيرة والقلق والشرود خلال ثلاثة قرون !
ونحن الذين وقانا الله شر تلك الملابسات التاريخية التى شردت الفكر الغربى فى مجهل التيه .. نكون أحمق الحمقى إذا نحن شردنا فى التيه مختارين بدون عذر ولا سبب ولا ملابسه من ملابسات التاريخ !
ولا نكون مضيعين لأنفسنا فى التيه فحسب ، بل نكون مضيعين للبشرية كلها ، حين نفقدها المثابة الثابتة ، التى يمكن أن تفئ إليها ذات يوم . فتجد عندها الأمن والطمأنينة والاستقرار ، بعد طول الشرود والقلق والعثار.
فلنقدر تبعتنا الخطيرة تجاه أنفسنا وتجاه البشرية كلها فى هذا الأمر الخطير .