'أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم' 'حديث شريف'
جرت على بعض الألسن لفظة (الحاكمية) تعبيرا عن معان وأحكام تضمنتها آيات من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ثم أسندت اللفظة إلى اسم المولى عز وجل فقيل (حاكمية الله).
ثم تفرعت عن اللفظة مضافة إلى اسم المولى عز وجل أحكام: فقيل: ان مفهوم (حاكمية الله) كذا وكذا ومقتضى ذلك أن يعتقد الشخص كذا وكذا. وان يكون فرضا عليه أن يقوم بكذا وكذا من الأعمال، فان لم يعملها وعمل غيرها فهو خارج عن (حاكمية الله) تعالى فوصفه كذا.
ونحن على يقين أن لفظة (الحاكمية لم ترد بأية آية من الذكر الحكيم، ونحن في بحثنا في الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم نجد منها حديثا قد تضمن تلك اللفظة فضلا عن إضافتها إلى اسم المولى عز وجل والتجارب، وواقع حال الناس، يقول لنا ان أصحاب الفكر والنظر والباحثين قد يلحظون ارتباطا بين معاني مجموعة من الآيات بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة وفكرة بارزة فيها فيضعون مصطلحا لتلكم المعاني.
غير أنه لا يمر الا الوجيز من الزمن حتى يستسهل الناس المصطلح الموضوع فيتداولونه بينهم ثم يتشدق به أناس: قليل منهم من قرأ الكثير الذي كتبه الباحثون والمفكرون أصحاب النظر، شرحا للآيات والأحاديث التي كانت هي الأصل عندهم، وتعبيرا عن المعاني التي لاحظوها، والأقل من هذا القليل من يكون قد استوعب ما كتبه الباحثون والمفكرون واستطاع أن يفهم ما أرادوا، وأدرك حقيقة مقصدهم. والغالبية العظمى تنطق بالمصطلح وهي لا تكاد تعرف من حقيقة مراد واضعيه الا عبارات مبهمة سمعتها عفوا، هنا وهناك. أو ألقاها إليها من قد لا يحسن الفهم أو يجيد النقل والتعبير.
وقد لا يمضي كثير وقت حتى يستقل المصطلح بنفسه في أذهان الناس. وبقر في آذانهم أنه الأصل الذي يرجع إليه. وأنه الحكم الكلي الجامع الذي تتفرع عنه مختلف الأحكام التفصيلية. وينسى الناس أن الآيات والأحاديث التي لوحظ فيها المعنى الذي وضع المصطلح عنوانا له هو الأصل الذي يتعين الرجوع إليه. بل قد يغيب عنهم أن مراد واضعي المصطلح لم يكن غير التعبير عن معان عامة أرادوا أبرزها وجذب انتباه الناس إلى أهميتها، دون أن يقصدوا وضع أحكام فقهية، خاصة التفصيلية منها.
وهكذا يجعل بعض الناس أساسا لمعتقدهم مصطلحا لم يرد له نص من كتاب الله أو سنة الرسول أساسا من كلام بشر، غير معصوم، وأرد عليه الخطأ والوهم، علمهم بما قاله في الأغلب الأعم علم مبتسر مغلوط. لذلك كان لزاما علينا الا نتعلق بالمصطلحات التي يقول بها البشر غير المعصومين وان نتشبث ونلوذ بكلام رب العالمين وكلام المعصوم سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.
هذا هو الكلام المحكم الذي لا يظن فيه خطأ أو نقصان أو وهم. وهو الكلام المحفوظ حفظا كاملا، لا يلحقه تبديل أو تغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وهو الكلام الذي لا يكون فيه تناقض أو يقع بين بعضه وبعض اختلاف.
وهو الكلام الذي يكون جملة واحدة يفسر بعضه بعضا كما يحد بعضه بعضا.
تجد الآية مطلقة تكاد تعم كل شيء ثم تجد الآية الأخرى قد خصصتها واستثنت منها، ثم تجد الحديث الصحيح يضع الشروط المكملة لما في الآيتين.
وقد نجد اللفظ في الآية له معنى لغوي معروف ثم نجد الحديث الصحيح وقد عرف أن المراد من اللفظ معنى شرعي محدد.
والأحكام الشرعية تؤخذ من كلام الله تعالى وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام. لا من أقوال أو مصطلحات يضعها الناس، أيا كان هؤلاء الناس.
والآيات والأحاديث هي التي تحدد الحكم الشرعي وشروط تحقيقه وحدود استعماله.
ويؤخذ الحكم من مختلف الآيات والأحاديث طبقا لأصول وردت بها الآيات والأحاديث.
فلتكن إذن آيات القرآن الكريم. دائما. هي الأصل الذي نتلوه ونرجع إليه ونتدبره، 'كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب'.
وليكن الثابت الصحيح من أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام هي البيان لكل ما احتاج إلى بيان 'وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون'.
ولن تغني عن ذلك أبدا أي مصطلحات يضعها بشر غير معصوم.
ولا حاجة لنا بعد كتاب الله وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام بأن نتعلق بأية مصطلحات يضعها بشر غير معصوم.