في معرض شرح مفهوم حاكمية الله تعالى يقول الأستاذ المودودى في كتابه المصطلحات الأربعة:
(ومما يقتضيه توحد السلطة العليا أن يكون جميع ضروب الحكم والأمر مرجعه إلى مسيطر قاهر واحد وألا ينتقل منه جزء من الحكم إلى غيره: فإنه إذا لم يكن الخلق الا له، ولم يكن له شريك فيه وإذا كان هو الذي يرزق الناس ولم تكن لأحد من دونه يد في الأمر، وإذا كان هو القائم بتدبير نظام هذا الكون وتسيير شئونه ولم يكن له في ذلك شريك. فمما يتطلبه العقل ألا يكون الحكم والأمر والتشريع إلا بيده تعالى كذلك. (انتهى).
وقد توهم البعض أن قائل تلك المقالة يرى استحالة أن يأذن الله تعالى للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبا من شئون حياتهم.
وهذا فهم خاطئ لم يقله قائل تلك المقالة. كما أن عقولنا ليست حاكمة على الله بشيء، ولا يجوز لمسلم أن يجعل من عقله حدا لسلطان الله تعالى. والذي ينفي أن يكون لله عز وجل حق الاذن للناس في وضع بعض التشريعات أو التنظيمات إنما يحد بعقله من سلطان الله، ويجعل عقله حاكما على الله عز وجل ومشيئته وهو بذلك يقع في المحظور إذ يجعل من نفسه ندا وقيما على الله عز وجل – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولو شاء الله لتركنا من غير شريعة، ننظم كافة أمور حياتنا كيفما نشاء وحسبما تهدينا إليه عقولنا. ولو فعل الله تعالى ذلك لما نقص ذلك من سلطانه شيئا، ولما نقص ذلك من عزته شيئا. ولما نقص ذلك من حكمته تعالى شيئا. ولكنا علمنا أن ذلك ما كان ولا يكون لأنه تعالى أخبرنا به. قال تعالى: 'أيحسب الإنسان أن يترك سدى' والسدى هو المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهي. ولأن الله تعالى أرسل إلينا وإلى من قبلنا 'بالأوامر والنواهي' مبلغين رسالات ربهم إلينا، وأمرنا بطاعته تعالى وطاعتهم، وتوعدنا ان خالفنا بالعذاب الشديد، ووعدنا ان أطعناه بالنعيم المقيم.