الجاهلية من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وقد شاع استعمالها في الفترة الأخيرة دون أن يتحدد معناها أو مفهومها، ولم يطرقها البحث من قريب أو بعيد، ويرد فيها قولا واضحا. وماذا عما يسمى بالمجتمع الجاهلي؟ وماذا تعني هذه التسمية على وجه التحديد؟ وهل يصح إطلاقها على المجتمعات القائمة الآن؟
الإجابة:
نعود فنلفت النظر إلى أن البحث السابق ارساله إنما قصد منه فقط الرد على أقوال معينة ظهرت أخيرا رأينا خطورتها وخروجها على أصول دعوتنا، فعنينا بالرد على ما وجدنا أنه يلزم الرد عليه من هذه الأفكار دون استقصاء لها جميعا ونكرر القول بأننا لم نكتب بحثا في الدعوة بمفهومها الكامل أو برنامجها الشامل وما كان لنا حاجة بذلك وللدعوة رسائلها وكتبها وليس الوقت ولا الظروف التي نعيش فيها بالمناسبين للكلام في شئون الدعوة على وجه التفصيل – ولذا فإننا إنما بحثنا ما اضطررنا إلى بحثه والرد عليه درءا لخطر أكبر من الأخطار التي تهددنا بالكتابة في الظروف التي تحيط بنا.
والجاهلية كالضلال والعصيان والفسوق والظلم من الألفاظ التي استعملت في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية، وتعني الخروج على أحكام الدين ذلك الخروج الذي لا يبلغ أحيانا حد الخروج عن الملة وأحيانا يبلغ حد الخروج عن الملة والردة عن الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه 'انك امرؤ فيك جاهلية' ويعلق البخاري الذي أورد هذا الحديث يقول: 'المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك' (البخاري جِ1 ص 14).
ومن ذلك يتضح لك أن كلمة الجاهلية يقصد بها كل خروج على أحكام الدين، أما تحديد ما إذا كان ذلك الخروج قد بلغ حد الردة عن الإسلام أم لا، فيرجع فيه للأحكام الشرعية التي تحدد الفرق بين المعصية التي لا يعتبر مرتكبها مرتدا ومن تلك التي يعتبر مرتكبها مرتدا – والقول أن المجتمع الجاهلي يوازي القول ان المجتمع ضال أو المجتمع فاسق، فجميع هذه الألفاظ إنما تدل على أن فيه خروج ظاهر على أحكام الدين – وان تلك الصفة الغالبة على حال أفراده وأنظمته ولكن لتحديد ما إذا كان ذلك الخروج قد بلغ بفرد معين أو بالمجموع كله حد الردة والكفر أم لا، يتعين الرجوع إلى أحكام الشريعة المأخوذة من الآيات والأحاديث والحاكمة في هذا الشأن. (انتهى)