إن الإسراف في إشراك كل طبقات الدعاة في الشورى، وكثرة تعليق الأمور على اتخاذ قرار شوري ولو كانت صغيرة، وكشف الحيثيات التي تؤدي إلى القرارات، وإطالة مناقشة الخطط مع منفذيها قبل إقرارها، كل ذلك أدّى وما يزال يؤدي إلى إنتاج دعاة فضوليين، يكثر لغطهم ويقل عملهم، وبالتدريج تنصبغ مجالسهم بصبغة الغيبة، وخشونة الألفاظ ، حتى تكون تهورات اللسان أمراً مستساغاً، وتُغتال فضائل المجالس التي شهدت بها. قواعد التريية الإيمانية اغتيالاً، ويصبح الداعية المشارك فيها قليل الاحترام لعناصر الرعيل الأول، كثير الجرأة عليها، وأقرب إلى سوء الظن والغمز، طويل النقاش، عريض التحدي.
وليس ذلك عرف المؤمنين أبداً، ولا سَمتهم الذي ورثناه، إنما ورثنا الحياء وعفاف اللسان، واحترام الكبير وتبجيل السابق، والتأول الحسن وترجيح العذر، وجمال اللفظ، والاستغفار للذين سبقونا بالإيمان، وتكرار الدعاء للمربي والحادي.
الشورى حق، وتطييب خواطر الصاعدين حق، وإشراك المنفذ في صناعة القرار حق، لكن ذلك كله إنما يكون في الحدود الوسطى، وبالإنصاف لا بالهوى، وبالمعروف ولمصلحة الدعوة لا لمجرد التطلع، وإذا لم نتقيد بالضوابط في الممارسات الشورية فإن الأذواق ستفسد، ويكثر الصخب الذي يرهق الثقة المؤهل للتقدم، فينزوي، حفاظاً على عöرضه وسمعته، ولئلا يقسو قلبه عبر قيل وقال.
نقول ومع الأسف: أن الغوغائية التي صنعتها الديمقراطية الحديثة في الشعوب يمكن أن تظهر بصورة أخرى في أوساط دعاة الإسلام إذا أسرفنا في الشورى، ونحن قبل الداعية المشاكس: نعيب الاستبداد والفردية، ولكن الشيء إذا تجاوز حده آذى.
إن الاجتماعات الشورية ميدان يستطيع خلاله العقلاء أن يبدوا حكمتهم، أو أن ينصتوا لحكمة غيرهم، وليس في الحياة ألذ ولا أطيب ولا أهنأ من أن يُجرى الله على فيك حكمة تقر بحروفها عينك، أو أن تصغي بأذنك وقلبك لصواب حكيم يهديك ثمار عقله مجاناً. أما أن تتحول رحاب التشاور الى تلاوم جاف، وتحديات باردة، وجدل مستطيل، فهنالك يجد الهوى ثغرته ليلج، وهناك تنعصر القلوب وتنزف الجراح.
ويصف البعض تضييق الشورى بأنه توجه من اُولي الأمر خاص يستجلبون به مداهنة إخوانهم. وهذه تهمة باردة، فإن المداهنة خلق ضعيف يدل على اختلاط في النية، وعندنا أن الذي يحاول تقليد مربيه في كل اجتهاداته، ويسارع إلى إقرار ما يذهب إليه بلا مناقشة، إن هو إلا داعية قليل الموهبة، ضعيف التفكير، أو هو متزلف تنكر طريقته قلوب المؤمنين، والفؤاد الحر يؤذيه التعكير.
إن الطاعة الواعية هي أصل تفسيرنا للجندية، كما أن الحوار وتقليب وجوه النظر هو أصل مذهبنا في صنعة الريادة، لكن الأدب، والرفق، واللفظ الجميل من الصدر السليم أصل ثالث قرين.