إننا نعلم أن خصوم هذا الوطن كثيرون وهم له بالمرصاد وان الأمة في هذه الظروف أحوج ما تكون إلى كل ذرة من جهود أبنائها حاكمين ومحكومين وكل دقيقة من وقتهم تصرف في النافع المفيد من الأعمال وقد قدرنا التبعة التاريخية الجسيمة التي يتحملها من يتسبب في صرف الشعب عن واجبه في هذه الأوقات ولهذا تحملنا الصدمة العنيفة التي لم نكن نتصورها بصبر عجيب وتلقيناها بهدوء وثبات وحاولنا أن نمهد السبيل للحكومة لتراجع نفسها وتعيد الأمور إلى نصابها وبذلنا جهد المستميت في سبيل تفادي الكارثة والعمل على حصر نتائجها السيئة في أضيق نطاق وكل ما ترجوه من وراء ذلك أن نعذر إلى الله والناس ولكن المسئولين هداهم الله أبوا إلا أن يضاعفوا مظاهر الظلم ويسيروا في طريق الاعتداء إلى النهاية ويبالغوا في التنكيل بالأبرياء.
من حق الرأي العام علينا أن نطلعه في هذا البيان بما اتخذنا من خطوات للتفاهم حتى يتحمل المعتدون وحدهم أمامه تبعة النتائج التي تترتب على مسلكهم وحتى يعمل المخلصون الغيورون معنا على النصح لهم بالعدول عن خطئهم ومن الإنصاف أن نقول للضارب كف قبل أن نقول للباكي أسكت والله نسأل أن يهدينا جميعاً سواء السبيل.
لقد اتصل المرشد العام للإخوان بالحكومة عقب عودته من الحجاز ليوضح لهم وجه الحق وليتفاهم معها على ما تريد فأوصدت الباب واستعان في ذلك ببعض من لهم بها صلة فأبت إلا ما اعتزمت من قرار ولم يقل هذا من عزمه فوالى اتصالاته بكل الجهات ولكن الحكومة كانت قد صممت فلم يفد معها نصح الناصحين ولا مشورة المخلصين.
وفوجئت الأمة بهذا القرار الخطير - قرار حل الإخوان - الذي خسرت به البلد - إلى حين - هيئة من انشط الهيئات العاملة لخيرها ولم يكن أحد يتصور أن ملحقاته وتنفيذه سيكون بهذه الصورة التي لم ير التاريخ لها مثيلا مع ألد الخصوم والأعداء وصبر الإخوان صبر الكرام تقديرًا للظروف والتبعات واستأنف المرشد العام اتصالاته بالوزارة والمسئولين وكان كل ما يطلبه من الحكومة أمرين اثنين:
( أ ) رفع المظالم التي وقعت على الناس بلا سبب في أموالهم بالمصادرة وفي أعمالهم بالتعطيل وفي أنفسهم بالسجن والاعتقال.
( ب ) إطلاق حرية الدعوة في الوقت المناسب بالأسلوب الذي لا ينال من هيبة الحكومة ولا يعطل من نشاط الاخوة.
وفي نظير ذلك يتعهد المرشد العام ورؤساء الإخوان أن يكونوا أعوانا صادقين للحكومة في استقرار الأمن واستتباب النظام.
ومن كل هذا فقد أبت الحكومة كل الإباء أن تقبل حتى فكرة التفاهم على أي أساس وفوجئت الأمة بالكارثة الثانية كارثة وفاة النقراشي باشا الذي خسرت بها البلاد رجلا من زعماء نهضتها وهي أحوج ما تكون إليه وجاءت وزارة دولة إبراهيم عبد الهادي باشا ودعت إلى الوحدة القومية وبدأت عهدها هذا البدء الكريم فاتصل المرشد العام ببعض أصحاب المعالي الوزراء ووجد منهم استعداداً كبيراً للتعاون على الخير حتى تستقر الأمور وتهدأ الحال وكان هذا الاتجاه في الحقيقة أفضل علاج وأنجع دواء ولكن ذوي الأغراض الذين لا يعشون إلا على الصيد في الماء العكر لم يعجبهم هذا فاتخذوا من حادث محاولة نسف مكتب النائب العام ذلك الحادث الذي لا ذنب للإخوان فيه ولا علم لهم به بل اعتبروه موجهاً لهم قبل أن يكون موجها لغيرهم وذريعة للمناداة بالويل والثبور وعظائم الأمور ووضع العراقيل في وجه دعاة التفاهم والإصلاح والانطلاق في سبيل البغي والظلم والتنكيل والاعتداء واخذوا يعتقلون الأبرياء من غير حساب حتى بلغ من اعتقلوهم في يومين اثنين على أثر الحادث أكثر من ثلاثمائة شخص ليس فيهم متهم أو مجرح وكان هذا التصرف كافياً للعدول عن خطة التفاهم مع الذين يعمدون للمراوغة كسباً للوقت وتمكناً من الانتقام، ولكن الأستاذ المرشد أبي ذلك ولم ييئس وعاود اتصالاته بكل من يعرف أنهم يستطيعون أن يفعلوا شيئا لدرء هذه الأخطار ولكن النتيجة كانت الإسراف في الظلم والاعتداء وكانت الطامة الكبرى التفكير في أن ينتقل هؤلاء المعتقلون إلى الطور وهكذا رفضت الحكومة مصافحة اليد التي امتدت إليها بالسلام وأصرت على أن تمضي في خطة الاعتداء والظلم والخصام وكانت الأولي خيرا لهم لو كانوا يعقلون.