وفي مدرسة التجارة المتوسطة بشارع الفلكي تأسست الجمعية الدينية، قوامها الطالب عبد الرحمن الساعاتي، والطالب محمود سعدي الحكيم، وبعض زملائهما المحافظين على الصلاة، العارفين بفضل الإسلام وجمال تعاليمه، وكانت مصلى المدرسة مقر اجتماعاتهم، ومظهر نشاطهم، وكم كانوا يلقون من تهكم زملائهم، واستغراب رفقائهم، ومعاكسة بعض الذين لا يأبهون بهذه المظاهر من الطلاب، أو الموظفين، فكانوا يصبرون لذلك صبر الكرام.
وتخرج الفتيان الطيبان من المدرسة، وقدر لهما أن يكونا زميلين موظفين في هندسة وابورات سكة الحديد، وفي نفسهما للإسلام حب عميق وشعور بالتبعة، وميل إلى العمل، والكفاح في سبيل هذا الدين الحنيف، ومظهر العمل للإسلام حينذاك تكوين الجمعيات الإسلامية. وإذن فليكونا جمعية تدعو إلى الإسلام، وتعمل له، وهكذا نشأت”جمعية الحضارة الإسلامية” فشقت طريقها، واتخذت لها من حجرة في الدور الأول ذات فناء فسيح بحارة الروم مكاناً للنشاط، وميداناً للعمل، وانضم إليها اخوة فضلاء يلقون المحاضرات، يواظبون على الدروس للناس، ويدعون إلى الله بإحسان، وفي مقدمتهم الإخوان الفضلاء الشيخ محمد أحمد شريت - رحمه الله - والأستاذ حامد شريت المدرس بالمعارف الآن، والأستاذ محمود البراوي رئيس مكتب إداري القاهرة الآن للأنباء، والأستاذ الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان بالإسماعيلية، والشيخ جميل العقاد السوري الحلبي، وغيرهم من أفاضل الشباب وخيرة الطلاب حينذاك. ورأت جمعية الحضارة نشاط جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وانتشار فروعها في هذا المحيط حول هذا البلد المبارك، واقتنع رجال الحضارة بأن التوحيد خير من الفرقة، وبأن انضمام الجهود أولى وأفضل،فاتصلوا بالإسماعيلية، وكانت محادثات انتهت أخيراً بانضمام جمعية الحضارة إلى الإخوان المسلمين، وصيرورتها شعبة من شعبهم، واستأجرت داراً جديدة هي منزل سليم باشا الحجازي بشارع سوق السلاح، وعمل الإخوان بأنفسهم في إصلاحه وتنظيفه وإعداده ليكون شعبة تليق بالدعوة في عاصمة المملكة المصرية. ولما كانت الحالة المالية لا تسمح بالتوسع في الإنفاق طبقاً لمطالب المظهر الجديد، فإن الإسماعيلية أم الدعوة تكلفت بالمساعدة للقاهرة حتى يكثر عدد المشتركين، ويساهم أهل الإيمان في النفقات.
وبالانتقال من الإسماعيلية إلى القاهرة انتقل إليها المركز العام للإخوان المسلمين ابتداء من أكتوبر 1932 الميلادية.
وما يذكر لإخوان القاهرة بالفخر والإعجاب أنهم والدعوة لا تزال ناشئة في القاهرة وهم في مسيس الحاجة إلى المال والإسماعيلية لا تزال تمدهم بمساعدة شهرية عرض عليهم أن يروجوا للوضع السياسي القائم وهو حكومة صدقي باشا الأولى بما أرادت من دستور وانتخاب فكان جواب الأخ عبد الرحمن الساعاتي الموظف الصغير حينذاك تقطع هذه الأيدي ولا تمتد إلى ما لا حق لها فيه تسخر به الدعوة للأغراض والأهواء، ولو كنا مقتنعين بهذه الأوضاع لرأينا من واجبنا أن نكافح في سبيلها بالنفس والمال لا أن نأخذ على ما نفعل أجراً، وأخفقت كل المحاولات لحمل الإخوان الذين ما زادوا على أنهم طلاب أو موظفون ناشئون على أن تستأجرهم دعاية حكومية لغرض من الأغراض، وهكذا عصم الله الدعوة وحماها من أول يوم من هذه اللوثات التي ما دخلت دعوة إلا أفسدتها، ولا خالطت قلباً إلا أبعدته عن الله، وذلك بفضل الله على الدعوة والقائمين بها والحمد لله رب العالمين.
مدرسة أمهات المؤمنين:
بعد أن استقر العمل بمدرسة معهد حراء للبنين فكر الإخوان في إنشاء مدرسة للبنات وأطلق عليها اسم مدرسة أمهات المؤمنين واستأجرت لها داراً فخمة مناسبة ووضع لها منهاج عصري إسلامي يجمع بين أدب الإسلام وتوجيهه السامي للفتيات والأمهات والزوجات وبين مقتضيات العصر ومطالبه من العلوم النظرية والعلمية ورأيت أن أسلم وضع للمدرسة أن أنتدب لها من فتيات الإسماعيلية أنفسهن من تخصصن بالتدريس وهن في الوقت نفسه من أهل البلد وقد كان، وانتدب لنظارتها الأخ الأستاذ الشيخ أحمد عبد الحميد، لصلاحه ودينه وتقواه وإلمامه بالدعوة.
وقد أدت المدرسة رسالتها حتى تسلمتها بعد ذلك وزارة المعارف العمومية.
وقد استتبعت المدرسة إنشاء قسم للأخوات المسلمات يتألف من نساء الإخوان المسلمين وقريباتهم، ويقوم بالتدريس فيه مدرسات المدرسة وسميته” فرقة الأخوات المسلمات” ووضعت لهن لائحة خاصة تنظم طرائق السير ووسائل نشر الدعوة بين السيدات المسلمات من نساء الإخوان وغيرهن.