غير أن تلك العبادة تمنح العابد اعتدادا بالنفس، وهذا العلم يغمر صاحبه بنشوة ، فوجب بذلك على طالب الريادة العابد المتعلم أن يراقب وضعه، لئلا يلبس عليه الاعتداد أو نموه عليه النشوة فيتشبه بالسائبين ويستسيغ الاستقلال والتفرد وحرة اتخاذ القرار، إذ أن الفروق هاهنا طفيفة ، وقد لا يلحظها المنهمك والملتذ ، فإنها ليست فارقة بين إسلام وكفر أو خير وشر حتى تكون جلية ولكل مؤمن، وإنما هي فروق بن منازل الفضل ودرجات القربات، وللداعية أن يختار الحرية، لكن حريته نزول عن علو وضعتنا الدعوة فيه مذ اخترنا أن نكون دعاة إلى الله، وقبول العمل الجماعي ذروة وعي الواعي، ومن مفاده أن يوزع جمهرة الدعاة بين أمير ومأمور، ومخطط ومنفذ ، ولا بد من الحفاظ على صرامة الالتزام إذا أردنا إتمام الجولة، وبذلك ننفي السلب الثالث المتمثل بتراخي الاستجابة لجوازم الرؤساء.
إن الدعوة تعمل في محيط ملغوم، والأعداء يتربصون بنا، وأقاموا أحلافهم في وجهنا، وما زال كيدهم يتجدد ويأتمرون لوضع مخططات التضييق، ومثل هذه الحالة من الخطر المحتمل توجب علينا رص صفوفنا بالطاعة التامة ومراعاة مخططنا الإسلامي ووحدة الكلمة ، من شرعة الامتثال بتراخي الاستجابة لجوازم الرؤساء.
إن الدعوة تعمل في محيط ملغوم، والأعداء يتربصون بنا، وأقاموا أحلافهم في وجنها، وما زال كيدهم يتجدد ويأتمرون لوضع مخططات التضييق ، ومثل هذه الحالة من الخطر المحتمل توجب علينا رص صفوفنا بالطاعة التامة ومراعاة مخططنا الإسلامي ووحدة الكلمة ، من سرعة الامتثال للأمر ، وحفظ السر ، والحياء من النقباء، واستكبار فضول من يحاول معرفة ما يجري في أواسط القدماء ، والحزن عند سماع نبأ اختلاف آراء السائرين ، ومغالبة النفس عندما تميل الأوامر إلى ما يخالف اجتهاد الداعية ، والتنفيذ بنية التعبد واستحضار المعنى الأخروي، والاستغفار للأمراء إذا بدرت منهم خشونة في ساعة غفلة أو تعب ، وعيافة النجوى، وعدم مظاهرة المنشق، والصد عن المخذل ،وترك طلب التولية ، ومحبة الصفوف الأخيرة والأعمال الخفية ، آداب أخرى.
هي الطاعة الواعية وليست التبعية المعطلة للحواس، وهي الشورى وقول الحق وليس الانقياد الأبكم ، ودعوة العزة لا تعلم اتباعها غير التعامل العزيز ،ولكن ذلك لا يعفي من كمال الطاعة إذا عزم الأمير وتوكل، وما نراه اليوم من تساهل بعض والأخوة إذا عزم الأمير وتوكل وما نراه اليوم من تساهل بعض الأخوة في هذه المعاني الدعوية الأساسية إنما هو من الابتداع المحدث المؤدي إلى نمط هش من الروابط لا يقوى على احتمال المحن وتكذيب الفتن، وما كنا نظن حين كنا ناشئه تلفنا الفورة أن سيأتي يوم يتأخر فيه أحد عن لقاء ، أو دفع مال ، أو يهفو بتمريض أمر صريح، وكانت الحياة الصارمة قد أدبتنا فأحسنت تأديبنا ، وعلمتنا الانضباط الجاد والإنفعال المعنوي اللاهب، وكنا نتحرك بأرواح سلسلة وقلوب سوية لم يشبها تعقيد، وتغمرنا العواطف الأخوية والتطلعات الأخروية ، وما زلنا كذلك في خير وافر ودأب عامر حتى انحدر الزمان إلى أواخره ، ونبغ جيل يدقق قبل المسارعة ،ويجادل قبر الإقرار ، ويفشي للقرين، ويستنصر على الولاية، ويفرح لخلاف بين المربين يبلغه ليتخذه ذريعة إلى إقلال البذل، ويطبق معادلات السوق الاقتصادية على علاقات أراد الله لها أن تكون سامية، وربما وجدنا في هذا الجيل من يغضب على الأمراء ويرتفع صوته، أو يعرض ويصد متألما ، أو يشترط اعتذارهم له عند خطأ يسير يبدر منهم، وربما تبلغ به الجرأة أن ينظر بالحرام، وكان فخر المنتسب في الزمان القديم وأوج لذته أن يستعد أمام المربي استعداد الجندي ويقول له إذا ندب: أمرك ، يجري لك ما تريد ، روحي فداء دعوة الإسلام، ووقتي ومالي ملكها، أفندم ، تفضل، يحصل ، نعم ، على عيني ، سمعا وطاعة على خير إن شاء الله ، أدع الله أن يعينني ، حلت البركة ، وأشياء ذلك.