يشهد العمل الإسلامي في جميع أنحاء العالم إقبالا واضحا تضاعفت معه فرص النمو العادي والانتشار الأفقي، وأصبح الشباب يفدون إلى دار الدعوة الإيمانية زمرا ، يجذبهم جمال الإسلام ، وتدفعهم احساسات التوبة، ويرتفع بهممهم وعيهم للحقوق الكامنة في القضايا الإسلامية الموضوعية، كقضايا الحكم والاقتصاد والتربية، أو في القضايا الإسلامية الناتجة عن ظلم واقع أو تحديات جاهلية، كقضايا فلسطين والأفغان وأرتيريا والفليبين، والبوسنة ، وجهود التبشير النصراني في إفريقيا وإندونيسيا، وتسبب الجاليات، والقمع في كل مكان.
وما من ارض إسلامية إلا وقد وصلتها الصحوة رغم الكبت والحصار والفكري والإرهاب النفسي والتضليل الإعلامي، وأفرزت كفراً بالعلمانية، وأوبة إلى الحق فعمرت المساجد بالساجدين، ونبضت فيها عروق جديدة.
وحالة هذا بهاؤها وتبشيرها بالمستقبل إنما تحتاج الرجال القادة الأكفياء الخبراء ، من أجل إدامتها وتنميتها ، ولتكميل العواطف المتأججة في الجيل الصاعد بالعقلانية ، وتجميل فورتهم بالتخطيط الهادف، وتحويل شتات مسموعاتهم وخواطرهم إلى فقه موزون وتنظير شامل.
أي أن المدة القادمة أنما هي مدة الإمتحان بكل معانية، في العالم أجمع، وبنتيجة هذا الإمتحان يتأثر المستقبل إيجابياً وسلباً.
لقد حل التجميع في أوسع تكاثره ،ولكن ماذا بعد التجميع ؟
ولقد زكت المشاعر الفياضة ،ولكن أهل لها من علم التجربة قرين؟
ولقد اسلم الصاعدون الزمام، فهل يطيق القادة الصعود؟
وإن أصداء الهتاف لتملأ العرصات ، فهل في الأروقة تشاور؟
أسئلة تغرض نفسها ، والزمن يسرع المرور وليس له استعداد لانتظار البطيء ، والمنافسات إنما يكسبها المبادر الفوري الاستجابة، الحاضر البديهة ، الذي ينفر مع أول التباشير ولوائح الإرهاصات إذا الفجر طلع، وأما من توقظه الشمس فلان حين استدراك ، وسيجد الطريق مزدحماً.
وعند الزمرة المؤهلة للمشاركة الريادية في كل بلد تصديق هذه الأخبار أو تكذيبها ، وتصديقها إنما يكون بأن يبذل المجرب نتائج معاناته لكل لاحق متشوق للسير في الدرب الصعب ، وبأن يحتفي هذا اللاحق بما يهدي إليه اختفاء الشاكر الراغب في الوراثة ،ويزيد من عنده ما شاء الله .
لكنه ليس كل راغب ، ولن تؤهل الأمنيات أصحابها على الوجه الذي يريدون ، وإنما المؤهل من أهل بعقل وذكاء، وبنفس سوية تعادلت أطرافها. وكانت له مع المخضرمين محادثة، ومن العابدين اقتباس وفي الكتب غوصة ، وعلى اللأواء ، صبرة ، وما ثم في رهط المؤمنين غير ثقة ، ولكن الله تعالى كما قسم الأرزاق، فنحن للثري نقدم. وخلق القلوب صوافي وذوات غبرات، فعلى الأبيض نحرص ، وإنما هي القرائن ي كل ذلك تحكم بها، ولنا حق الاجتهاد ، وليس علينا دوام الإصابة، وإنما نسدد ونقارب، ونرجح ونرجو ، وطبعات الخير على أرض العمل لن تمنعها فراستنا المخطئة إذا صمم على طبعا مقتدر جهلنا فضله فظل خفيا، والآثار الذاكية تهواها الأنفس وتشكرها وتتبعها إذا خطها قوي مهما كان قصيا.
من هنا فإن على كل إمارة أن تستخبر وتفتيش وتشاور ، ليستقر قرارها على ترشيح مجموعة من الدعاة هم في ظنها الأقدار على حمل ثقل العمل، والأيقظ في حراسة ثغور الدعوة. والأصوات في رفع الأذان، لتسلك يهم سبيل التطور والتثقيف والتعبد والتعرف على الميدان، على أمل أن يضيفوا من أنفسهم جهداً ذاتياً موازياً، فيكون الأرتقاء والنضوج، ويكون بعد ذلك أو أثناءه تقاسم الأدوار بينهم ، فيحصل التكامل ، وتتقدم الدعوة الإسلامية خطوات نحو أهدافها.
أن صياغة الرجال هي أهم الواجبات، والعاطفة الإنسانية الإيمانية اللاهبة التي يتحلى بها معظم الدعاة لا تكفي لقيامهم بمهمة إصلاح الحياة بعد أعواجاجها ما لم يقترب إيمانهم يعلم شرعي ، وثقافة شمولية ، ودراية إدارية، وخبرة ميدانية واقعية، وخلطة اجتماعية.
ومن أجل ذلك كان حرصنا الدائم على اكتشاف ( منهجية التربية الريادية ) ووضعها في التطبيق العملي، واصطياد الأوقات وتجميع الطاقات لتجويدها ، وربط سلسلة حلقاتها التنفيذية.
والظروف اليوم مواتية في كل مكان لفتح مدارس في مجال التربية الريادية، وهي مدارس يجب أن تظل دوما جزءاً متميزا في العمل الإسلامي، كحلقة جديدة لها نسب مع المحاولات السابقة، وتبني فوق بنائها السالف، ولن تكون الأخيرة ولا أهلها بالمكتفين ، وإنما الاستزادة من الخبر وتجديد الخبر دين كل داعية ، ناشئا كان أم مخضرماً.