- ونلفت النظر بعد ذلك البحث إلى أُمور أولها: أن نفرًا من ذوي القصور العقلي ظنوا أن الله – سبحانه- لا يعلم ما يكون حتى يقع، وجاءهم هذا الظن الضال من أخذهم لظاهر قوله تعالى: (وَتöلكَ الأَيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَينَ النَّاسö وَليöعلَمَ اللهُ الَّذöينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخöذَ مöنكُم شُهَدَاءَ..) (آل عمران:140)
وقوله:
(وَمَا أَصَابَكُم يَومَ التَقَى الجَمعَانö فَبöإذنö اللهö وَلöيَعلَمَ المؤُمöنöينَ(166) وَلöيَعلَمَ الَّذيöنَ نَافَقُواْ..) (آل عمران:166-167)
وهذا ضلال بعيد، فإن المعنى انكشاف العلم القديم، ووقوع الأحداث على النحو الذي تتم به محاكمة هؤلاء في الدنيا والآخرة، فالقاضي لا يحكم بعلمه، ومهما كانت خبرة الأستاذ بتلامذته فلا نجاح ولا رسوب إلا بامتحان يظهر الخبايا..
وعلم الله بكونه ليس معجزًا ولا مضنيًا، ألا يعلم من خلق؟
إن الأمس واليوم والغد صفحة واحدة أمام شهود لا يغيب، وعلم لا يضل ولا ينسى..ومن هنا قال المفسرون: (كُلَّ يَومْ هو فيö شَأنٍ) (الرحمن:29) شئون يبديها ولا يبتديها..!
الأمر الثاني: ما يكلف العباد به لا تلغي إرادتهم بإزائه! فحريتهم النفسية والفكرية قائمة وعلى أساسها تتم محاسبتهم!
وإذا حدث –لأمر ما- أن صودرت هذه الحرية فإن التكليف الأعلى يقل بنسبة ما يصادر!
ويمتنع عقلا وشرعًا أن يؤاخذ الله عبدًا ليس له كسب أو اكتساب..
وكل أثر يفيد أن الجنة والنار مصادفات، وأن الناس يقادون إلى مصايرهم وفق مخطط لا دخل لهم فيه، فهو مرفوض!.
إن النصوص القطعية والقواعد الثابتة تأبى ذلك كل الإباء..
- الأمر الأخير..يعلم الناس، مؤمنهم وكافرهم، أن الأعمال التي يحسونها قسمان: إرادية وغير إرادية، قد أدخل البيت أو أخرج منه بمشيئتي، وقد أرفع يدي أو أخفضها بمشيئتي..
ولكن أين مشيئتي في حركتي الزفير والشهيق، في دقات قلبي وأنا نائم أو يقظان؟
بل أين مشيئتي في ميلادي ووفاتي، وتيارات الحياة التي تتقاذفني كما تتقاذف الأمواج زورقًا خفيفًا؟
وأين مشيئتي في قدراتي المادية والأدبية التي زودني الله بها وانفرد بتحديد كمها وكيفها..؟
إن غددًا معينة –لا سلطان لي على إفرازها- قد تسبب الخوف أو الجرأة أو العفة أو الجماح..!
وقد يكون اللقاء برجل ما سببًا في رفعة أو هبوط، وهذا اللقاء لا سلطان لي على تقريبه أو تبعيده..!
تلك كلها "جبريات" يعرفها المؤمنون والكافرون على سواءٍ، وتحديد وضع المرء معها مضبوط عند من لا تخفى عليه خافية، ومن يحسب مثقال الذرة في موازين الجزاء..
وأحسب أن ذلك كله من وراء التعبير المطرد في الكتاب العزيز:
(يَغفöرُ لöمَن يَشَاءُ وَيُعَذöّبُ مَن يَشَاءُ) (آل عمران 129) فالمشيئة هنا لا تعني الفوضى كما يتصور الجهلة، وإنما تعني أن الله وحده هو الخبير بخلقه، العليم بحساب المعوّقات والمنشطات في حياتهم على ظهر الأرض إلى يوم يلقونه...
ونعود إلى ما بدأنا به، على الدعاة أن يدرسوا كتاب الله وسنة رسوله ببصر مفتوح، وأن يعرفوا علاقة النصوص بعضها ببعض..
إن البناء الإسلامي شامخ، ومن المضحك أن يجيء أحدهم بهيكل نافذة ليضعه في فتحة باب أو ليضعه في كوة جانبية..لابد من فقه، لابد من ذوق، وإلا حرّفنا الكلام عن مواضعه وأسأنا قيادة المجتمع باسم الله..