- وكنا يومًا في حفل جامع وكنت أُلقي محاضرات "ذات بال" في موضوع خطير..ورأى أحد الصحافيين التقاط صورة للجمع الحاشد..ولكن الداعية نهض يمنع التصوير..فلما أصرّ الصحافي على المضي في عمله اتجه الداعي إلى الآلة ليكسرها.
وجاءني الواعظ الغيور يسألني: لماذا لم تمنع التصوير؟ قلت: لأني أراه مباحًا.
قال: ألم يقل الرسول (صلى الله عليه وسلم): "إن أشد الناس عذابًا المصورون؟".
قلت: إنه يعني صانعي التماثيل للعبادة..ولا يتصور أن يكون هذا الصحافي أشد عذابًا من الزناة والقتلة والمرابين والظَّلَمَة..
قال: الحديث عام فلماذا تخصصه؟ قلت: خصصه الواقع الذي لا يمكن تجاهله..فالوثنيون كانوا يعبدون أصنامًا مجسمة ولم يعبدوا صورًا شمسية..وعندما تكون الصورة الشمسية لصنم أو لصليب أو لمعنى ديني مرفوض فسنحرّمها.
أما التقاط الصوت في شريط مسجل، أو التقاط الظل والملامح على ورقة لأغراض علمية أو اجتماعية فلا علاقة له بالوثنية، ولا يحكم عليه بتحريم..بل هو كما نبّه مسلم في صحيحه ليس (إلا رقمًا في ثوب)..
قال: هذا الكلام مردود، ومحاضرتك عن الوحدة الإسلامية، وعن التناحر بين المسلمين لا تقبل. ما دامت مقرونة بإقرار التصوير!
وشعرت بالضيق..كم كظمت غيظي ورفضت مواصلة النقاش.
- وأحيا آخرون السنة النبوية بالأكل على الأرض، واستخدام الأيدي، رافضين الأكل على الموائد، واستعمال الشوك والملاعق.
قلت: مَنْ قال: إن الأكل على المائدة، أو استخدام الملاعق مخالف للسنة؟
إن فهم هؤلاء الناس للدين غريب، وإثارة هذه القضايا دون غيرها من أساسيات الإسلام مرض عقلي..إنه ضرب من الخبال.
إن المؤامرات تستحكم يومًا بعد يوم لاغتيال الإسلام أو الإجهاز عليه جهرة..فكيف يشتغل قوم بهذه السنن فقط ثم يتساهلون في الواجبات وعظائم الأمور؟!!
جاءني أحدهم يسألني بأدب: أنت فلان؟ قلت: نعم قال: قرأت رسالة وزّöعت علينا تصفك بأنك تهاجم السنة! وأنك مع الشيخ "أبى رية" في تكذيب الأحاديث! قلت في سكون: وقعت هذه الرسالة في يدي..!
قال: ما رأيك في هذه التهم؟ قلت: ما رأيك؟ هل قرأت لي كتبًا؟ قال: نعم، قرأت كتابك "خلق المسلم". قلت: في هذا الكتاب وحده أكثر من ألف حديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وفي فقه السيرة وكتابي آخرين نحو ألفي حديث.
فإذا أثبت رجل في عُشر مؤلفاته نحو ثلاثة آلاف حديث، فكيف يتهم بتكذيب السنة؟!.
- قال: إنك رددت حديثًا صحيحًا رواه البخاري ومسلم. وهو أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أغار على بني المصطلق وهم غارون! قلت على عجل: لقد رددت الفهم القذر الذي استقر في ذهن بعض الناس لما قرأ هذاالحديث..
إننا نحمي السنة من أفهام الأراذل.
قال: وحديث آخر من الصحاح رددته..وهو حديث "أنه ما من يوم يجيء إلا والذي بعده شر منه" قلت: بل رده حديث آخر: "أمتي كالغيث لا يُدرى أوله خير أم أخره" وحديث حذيفة الذي رواه مسلم وجاء فيه: "أن بعدا لخير شرا وبعد الشر خيرًا".
ومن جملة الأحاديث الواردة في القضية يُفهم أن تاريخ الإسلام بين مد وجزر، وغربة وإيناس، ونصر وهزيمة..
أما القول بأن الإسلام يسير كل يوم إلى الهاوية، وأن مستقبله مشئوم..فقول مكذوب.
قال: هذا ظاهر الحديث.
قلت: هذا ظاهر فهمكم أنتم لحديث لم تبلغ عقولكم غوره..!
بم سينزل عيسى بن مريم؟ وحديث نزوله صحيح؟ أليس نزوله لمقاتلة الصليبيين ونصرة التوحيد، وذبح الخنزير، ووضع الجزية..ألستم تقرءون هذا..فأين الهاوية التي ينتهي إليها الإسلام حتمًا.
هل السلفية التي تزعمونها هي اتهام رجل بتكذيب السنة لأنه أوّل حديثًا يشعر ظاهره بسوء مستقبل الإسلام.
أي تديّن هذا الذي تزعمونه. وأي دعوة هذه التي تنشرون؟!..الحق أن هناك أُناسًا يشتغلون بالدعوة الإسلامية وفي قلوبهم غل على العباد، ورغبة في تكفيرهم أو إشاعة السوء عنهم..غل لا يكون إلا في قلوب الجبابرة والسفاحين وإن زعموا بألسنتهم أنهم أصحاب دين..
إن فقههم معلوم. وتعلقهم إنما هو بالقشور والسطحيات.