أما الدولة المسلمة فهي منتكثة الشمل داخل فنون من النزاع الطائش قصم ظهرها وهدد وجودها!!
إن هذا الدوخان في دوّامة الرسوم والمظاهر، أو في دائرة هيئات العبادة وأقدارها نشأ عنه أمران خطيران..كلاهما يهو بالأمم من حالق، ويذهب بريحها.
الأول: ضعف الخلق..فقد ترى الرجل دقيقًا في التزام المندوبات الخفيفة..فإذا كان تاجرًا احتكر السلع دون مبالاة، وإذا كان موظفًا تبلدت مشاعره في قضاء مصالح الجمهور، وإذا كان رئيسًا وجدته سيء الملكة، قاسي القلب، مشكوف الهوى.
وقد ترى العابد من هؤلاء يضع يديه على صدره وهو قائم للصلاة ثم يعيد وضعهما بعد الرفع من الركوع، ويثير زوبعة على ضرورة ذلك..فإذا كلفته بعمل ترقى به الأمة اختفى من الساحة!!.
وكم تفتقر أمتنا داخل البيوت، وأوساط الشوارع، وفي الدكاكين والدواوين، وفي الأسواق والمعاهد، وفي كل مكان، إلى الأخلاق الضابطة الصارمة كي تؤدي رسالتها الجليلة على نحو جدير الاحترام..ولكن الاكتراث بالمراسم غض من هذه الأخلاق.
أما الأمر الثاني: فهو العجز العجيب عن فقه الدنيا..والاقتدار على تسخيرها لخدمة الدين..إن الدين الحق تقوى تعمر القلوب، من العبادات، لا يستغرب تعلمها زمانًا.
ثم مهارة في شئون الحياة تتحول مع صدق النية إلى وسائل لدعم الحق وسيادته.
إن تعلم الصلاة –وهي الركن الأول في الإسلام- لا يستغرق دقائق معدودات..
ولكن التدريب على اقتياد دبابة أو طائرة أو غواصة يحتاج إلى زمان طويل..فبأي فكر يطلع علينا القرن الخامس عشر وجمهورنا جاهل في فنون الجهاد، وبارع في الحديث حول تحية المسجد، ووضع اليدين في الصلاة؟ مستغرق في قضايا جزئية.
إن هناك علماء –هم في حقيقتهم عوام- لا شغل لهم إلا هذه الثرثرات والتقعّرات، وقد أضاعوا أمتهم، وخلفوا أجيالا من بعدهم لا هي في دنيا ولا هي في دين!! .