كان فى شهر ذى القعدة ’ آخر سنة ست للهجرة وسببها أن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن فى المسلمين أنه متوجهاً الى مكة معتمراً ’ فتبعه جمع كبير من المهاجرين و الأنصار بلغ عددهم ألف وأربعمائة تقريباً . وأحرم النبى صلى الله عليه وسلم بالعمرة فى الطريق ’ وساق معه الهدى ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائراً البيت معظماً له . وأرسل صلى الله عليه وسلم وهو عند ذى الحليفة عيناً له من قبيلة خزاعة إسمه بشر ابن سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة ’ وسار النبى صلى الله عليه وسلم حتى وصل الى غدير الأشطاط ’ فأتاه العين الذى كان قد أرسله ’ فقال له : إن قريشاً قد جمعت لك جموعاً ’ وقد جمعوا لك الأحابيش ’ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك ’ فقال : أشيروا أيها الناس .... فقال له أبو بكر : يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد ’ فتوجه له فمن صدنا قاتلناه ’ قال : إمضوا على إسم الله .
ثم قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها ؟ فقال له رجل من بنى أسلم : أنا يا رسول الله . فسلك بهم طريقاً وعراً بين الشعاب ’ وسار النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى إذا كانوا فى ثنية المرار ( وهى طريق فى الجبل تشرف على الحديبيةبركت به راحلته ’
فقال للناس : حل ’حل ( اسم كانوا يزجرون به الجمال ) فلم تتحرك ’ فقالوا : خلأت القصواء ’ فقال صلى الله عليه وسلم : ما خلأت ’ وما ذاك لها بخلق ’ ولكن حبسها حابس الفيل ’ ثم قال : و الذى نفسى بيده ’ لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ’ ثم زجرها فوثبت ’ فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على حفيرة قليلة الماء ’ فلم يلبث الناس أن نزحوه ’ وشكوا الى رسول الله العطش ’ فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها ’ فوالله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه ’فبينما هم كذلك إذ جاء بديل ابن ورقاء الخزاعى فى نفر معه ’ فقال : إنى تركت كعب ابن لؤى وعامر ابن لؤى نزلوا مياه الحديبية ’ ومعهم العوذ المطافيل ’ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لم نجىء لقتال أحد ’ ولكن جئنا معتمرين ’ وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ’ فإن شاؤا ماددتهم مدة ويخلّوا بينى وبين الناس ’ فإن أظهر فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا ( إستراحوا ) وإن هم أبوا فوالذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى ’ ولينفذنّ الله أمره ’ فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ’ فانطلق بديل فحدّث قريشاً بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقام عروة ابن مسعود يعرض على المشركين أن يأتى النبى صلى الله عليه وسلم فيكلمه فى تفصيل ما جاء به بديل ابن ورقاء ’ فقالوا له : دونك فاذهب .
فذهب ’ فكلمه صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به بديلاً ’ فقال له عروة ابن مسعود : أرأيت إن إستأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب إجتاح أهله قبلك ’ وإن تكن الأخرى ’فإنى والله لا أرى وجوهاً ’وإنى لأرى أشواباً من الناس ( أى أخلاطاً منهم ) خليقاً أن يفروا ويدعوك ’ فقال له أبو بكر رضى الله عنه : أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه ! ....
فالتفت قائلاً : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر ’ فقال : أما إنه لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها ’ لأجبتك ’ فجعل يكلم النبى صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته ’ والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس النبى صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ’ فكلما هوى عروة بيده الى لحية النبى صلى الله عليه وسلم ’ ضرب يده بنعل السيف ’ وقال له أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قال : المغيرة ابن شعبة ’ فقال : أى غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بعينيه ’ قال : والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ’ وإذا أمرهم إبتدروا أمره ’ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ’ وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ’ وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له . فرجع عروة الى أصحابه فقال : أى قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى و النجاشى ’ والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً ! .... وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .
ثم إنهم أرسلوا إليه سهيل ابن عمرو ممثلاً عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتاب الصلح ’ فلما جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هات أكتب بيننا وبينك كتاباً ’ فدعا النبى صلى الله عليه وسلم الكاتب ( وكان الكاتب علياً رضى الله عنه - فيما رواه مسلم ) فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل : أما ( الرحمن ) فوالله ما أدرى ما هى ’ ولكن أكتب باسمك اللهم ’ فقال المسلمون : والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أكتب باسمك اللهم ’ ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ’ فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ’ ولكن أكتب ( محمد ابن عبد الله ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله إنى لرسول الله وإن كذبتمونى ) ! ... أكتب محمد ابن عبد الله . ( وفى روايم مسلم : فأمر علياً أن يمحوها ’ فقال علىّ لا والله لا أمحوها ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرنى مكانها ’ فأراه مكانها فمحاها ) ’ فقال له النبى صلى الله عليه وسلم على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به ’ فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ’ ولكن ذلك من العام القادم وليس مع المسلمين إلا السيوف فى قرابها ’ فكتب ’ فقال سهيل : وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ’ ومن جاء منكم لم نرده عليك ’ فقال المسلمون : سبحان الله ’ كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلماً ؟! ( والتفتوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه : أكتب هذا يا رسول الله ؟ّ قال : نعم ’ إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ’ ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ) ’ وكانت مدة الصلح بناءاً على هذه الشروط - على ما رواه ابن اسحاق وابن سعد و الحاكم - عشر سنين لا إسلال فيها ولا إغلال ( أى لا سرقة ولا خيانة ) ’ وأنه من أحب أن يدخل فى عقد قر يش و عهدهم دخل فيه . فتواثبت خزاعة فقالوا نحن فى عقد محمد وعهده ’ وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن فى عقد قريش وعهدهم .
ولما فرغ من الصلح و الكتابة ’ أشهد على الكتاب رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين .
وفى الصحيحن أن عمر رضى الله عنه قال : فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم ’ فقلت : ألست نبى الله حقاً ؟ قال : بلى ’ قلت : ألست على حق وعدونا على باطل ؟ قال : بلى ’ قلت : أليس قتلانا فى الجنّة وقتلاهم فى النار ؟ قال : بلى ’ قلت : ففيم نعطى الدنيّة فى ديننا إذن ؟ ’ قال : إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى . قلت : أولست كنت تحدثنا أنّا سنأتى البيت فنطوف به ؟ قال : بلى ’ أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قلت : لا ’ قال : فإنك آتيه ومطوف به ’ فلم يصبر عمر حتى أتى أبا بكر رضى الله عنه فسأله مثل ما سأل النبى صلى الله عليه وسلم ’ فقال له : يابن الخطاب إنه رسول الله ولن يعصى ربه ولن يضيعه الله أبداً ’ فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فأرسل الى عمر فأقرأه إياها ’ فقال : يارسول الله ’ أو فتح هو ؟! ... قال : نعم ’ فطابت نفسه .
ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال لهم قوموا فانحروا ثم إحلقوا - وكرر ذلك ثلاثاً - فوجم جميعهم وما قام منهم أحد ’ فدخل على زوجته أم سلمة ’ وذكر لها ما لقى من الناس ’ فقالت له : يا رسول الله أتحب ذلك ؟ أخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ’ فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك : نحر بدنه ’ ودعا حالقه فحلقه ’ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعض ’ حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم .
ثم جاء نسوة مؤمنات ( بعد إنصرافه الى المدينة ) مهاجرات بدينهن ’ بينهن أم كلثوم بنت عقبة ’ فأنزل الله تعالى قوله :( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ’ الله أعلم بإيمانهن ’ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ الى الكفار ’ لا هنّ حل لهم ولاهم يحلون لهنّ ) فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردهنّ بدينهنّ الى الكفار .
بيعة الرضوان
وكان قد أرسل النبى صلى الله عليه وسلم عثمان ابن عفان رضى الله عنه الى قريش قبل كتابة الصلح ليكلمهم فى الأمر ’ فاحتبسته قريش عندها مدة ’ وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك أن عثمان ابن عفان قد قتل ’ فقال لا نبرح حتى نناجز القوم ’ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى البيعة ’ فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنالك .
فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ بيد أصحابه الواحد تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفروا ’وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه ’ وقال : هذه عن عثمان .
ولما تمت البيعة ’إنتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذى بلغه من مقتل عثمان باطل .
العبر و العظات :
كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح :
قبل أن نخوض فى تفصيل ما ينبغى أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامها ’ نقول فى كلمة وجيزة : إن أمر هذا الصلح كان مظهراً لتدبير إلهى محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجل فى أى عمل أو تدبير آخر ’ فقد كان نجاحه سراً مرتبطاً بمكنون الغيب المطوى فى علم الله وحده ’ ولذلك إنتزع - كما قد رأيت - دهشة المسلمين أكثر مما إعتمد على فكرهم وتدبيرهم ’ ومن هنا ’ فإنا نعتبر أمر هذا الصلح ’ بمقدماته ومضمونه ونتائجه ’ من الأسس الهامة فى تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها .
ولنتحدث أولاً عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التى تضمنها هذا الصلح ’ والتى تجلت للعيان فيما بعد ’ حتى أضحت آية من آيات الله الباهرة ’ ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التى تضمنتها وقائع هذا الصلح .
فمن الحكم الباهرة : أن صلح الحديبية كان مقدمة بين يدى فتح مكة ’ فقد كانت هذه الهدنة - كما يقول ابن القيم - باباً له ومفتاحاً وتلك هى عادة الله سبحانه وتعالى ’ يوطىء بين يدى الأمور التى تعلقت إرادته إنجازها ’ مقدمات تؤذن بها وتدل عليها .
ولئن لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا فى حينه ’ فذلك لأن المستقبل غائب عنهم ’ فأنى لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذى رأوه بالغيب الذى لم يتصوروه بعد ؟
ولكن ما إن مضت فترة من الزمن ’ حتى أخذ المسلمون يستشفون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد إنطوت عليه من خير ’ فالناس قد أمن بعضهم بعضاً ’ واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة ’ وأسمعوهم القرآن ’ وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين ’ وظهر من كان متخفياً بالإسلام .
روى ابن هشام عن ابن اسحاق و الزهرى قال : ما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ( أى من صلح الحديبية ) إنما كان القتال حيث إلتقى الناس ’ فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب ’ وأمن الناس بعضهم بعضاً ’ والتفوا فتفاوضوا فى الحديث و المنازعة ’ فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه ’ ولقد دخل فى تينك السنتين مثل من كان فى الإسلام قبل ذلك أو أكثر .
ولذلك أطلق القرآن إسم الفتح على هذا الصلح ’ وذلك فى قوله تعالى :( لقد صدق الله رسول الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ’ فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ).
ومن الحكم الجليلة أيضاً : إن الله جل جلاله أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحاً بين وحى النبوة وتدبير الفكر البشرى ’ بين توفيق النبى المرسبل وتصرف العبقرى المفكر ’ بين الإلهام الإلهى الذى يأتى من فوق دنيا الأسباب و مظاهرها ’ والإنسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها ’ أراد الله عز وجل أن ينصر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أمام بصيرة كل متأمل عاقل ’ ولعل هذا من بعض تفسير قوله تعالى : وينصرك الله نصراً عزيزاً ’ أى نصراً فريداً فى بابه من شأنه أن ينبه الأفكار السادرة و العقول الغافلة . فمن هنا أعطى المشركين كل ما سألوه من الشروط ’ وتساهل معهم فى أمور لم يجد أحد من الصحابة ما يسوغ التساهل فيها ’ ولقد رأيت كيف إستبد الضيق و القلق بعمر ابن الخطاب رضى الله عنه ’ حتى أنه قال عن نفسه فيما بعد - فيما رواه أحمد وغيره - : ما زلت أصوم وأصلى وأتصدق وأعتق من الذى صنعت مخافة كلامى الذى تكلمت به يومئذ ’ ولقد رأيت كيف ساد الوجوم القوم حينما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالحلق و النحر ’ ليعودوا الى المدينة ’ رغم أنه كرر عليهم ثلاثاً مرات الأمر ’ لقد كان السر فى ذلك أن الصحابة رضى الله عنهم إنما كانوا يتأملون فى تصرفات النبى صلى الله عليه وسلم ’ وهم يقفون على أرض من البشرية العادية ’ فلا يتبصرونها إلا بمقدار ولا يفهمون منها إلا ما تفهمه عقولهم البشرية القائمة على الخبرات المحسوسة ’ على حين كان النبى صلى الله عليه وسلم واقفاً من تصرفاته هذه فوق مستوى البشرية وخبراتها وأسبابها ’ كانت النبوة المطلقة هى التىتوجهه وتلهمه وتوحى إليه ’ وكان تنفيذ الأمر الإلهى هو وحده الماثل أمام عينيه .
يتضح لك هذا من جوابه صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطاب حينما أقبل إليه سائلاً ومتعجباص ’ بل وربما مستنكراً ’ فقد قال له : إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصرى . ويتضح لك هذا أيضاً من وصيته صلى الله عليه وسلم لعثمان حينما أرسله الى مكة ليكلم قريشاً فيما جاء له النبى صلى الله عليه وسلم فقد أمره أيضاً أن يأتى رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ’ حتى لا يستخفى فيها بالإيمان .
فلا غرو أن يدهش المسلمون لموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى تمخض عن المفاهيم البشرية ومقاييسها فى تلك الآونة .ولكن سرعان ما انتهت الدهشة وزال الغم واتصح المبهم ’ حينما تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم سورة الفتح التى تنزلت عليه عقب الفراغ من امر الصلح ’ وتجلى للصحابة رضى الله عنهم أن إحتمالهملتلك الشروط كان عين النصر لهم ’ وأن المشركين ذلوا من حيث من حيث تأملوا العز ’ وقهروا من حيث أظهروا القدرة و الغلبة وظهر من وراء ذلك كله النصر العظيم لرسوله و المؤمنين دون أن يكون فى ذلك أى إقتراح للعقول و الأفكار .
فهل فى أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل وأظهر ؟ ....
ولقد تضايق المسلمون بادىء الأمر من موافقة النبى صلى الله عليه وسلم على الشرط الذى أملاه سهيل ابن عمرو : من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ’ ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرده عليه ’ وازداد ضيقهم لما أقبل أبو جندل ( ابن سهيل ابن عمرو ) فاراً من المشركين يرسف فى الحديد ’ فقام إليه أبوه آخذاً بتلابيبه وهو يقول : يا محمد ’ لقد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا ’ قال : صدقت ’ فجعل ينتره ويجره ليرده الى قريش ’ وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أأرد الى المشركين يفتنونى فى دينى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابا جندل ’ إصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ’ إنا أعطينا القوم عهوداً ’ وإنا لا نغدر بهم .
ولقد أخذ الصحابة ينظرون الى هذا الأمر ’ و قد داخلهم من ذلك همَّ عظيم ’ ولكن ’ فما الذى تم بعد ذلك ؟ لقد جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذهابه الى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش
اسمه : أبو بصير ’ فأرسلوا ىف طلبه رجلين من المشركين ليستردوه فسلمه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهما ’ فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة ’ فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله ’ ففر الآخر ’ ثم عاد أبو بصير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا نبى الله ’ قد والله أوفى الله ذمتك ’ قد رددتنى إليهم فأنجانى الله منهم ’ ثم غنه خرج حتى أتى سيف البحر ’ وتفلت أبو جندل ’ فلحق به هناك ’ وأصبح ذلك المكان مثابة للمسلمين من أهل مكة ’ فلا يخرج من قريش رجل أسلم إلا لحق بأبى بصير و إخوانه ’ فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت الى الشام إلا إعترضوا لها فقتلوا المشركين وأخذوا أموالهم ’ فأرسلت قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تناشده الله و الرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه فجاؤوا الى المدينة .
ولما كان فتح مكة ’ كان أبو جندل هذا هو الذى استأمن لأبيه وعاش رضى الله عنه حتى استشهد فى وقعة اليمامة .
وهكذا صحا أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من همّهم ذاك على مزيد من الإيمان و الحكمة الإلهية ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ’ روى فى الصحيح أن سهل ابن سعد رضى الله نعه قال يوم صفين أيها الناس إتهموا رأيكم ’ لقد رأيتنى يوم أبى جندل ’ ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته ! .....
ومرة أخرى نكرر القول : هل فى أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل و أظهر ؟ .
ومن الحكم الجليلة : أن الله جلت قدرته إنما أراد أن يجعل فتح مكة لنبيه فتح مرحمة وسلم ’ لا فتح ملحمة وقتال فتحا يسارع الناس فيه الى دين الله أفواجاً ’ ويقبل فيه أولئك الذين آذوه وأخرجوه ’ يلقون إليه السلم ويخضعون له الجانب مؤمنين ىيبين موحدين ’ فجعل من دون ذلك هذا التمهيد ’ تؤوب فيه قريش الى صحوها وتحاسب فيه نفسها وضميرها وتشترك هى الأخرى مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أخذ العبرة من أمر هذا الصلح ومقدماته ونتائجه ’ فتنضج الآراء فى الرؤوس و تتهيأ لقبول الحق الذى لا ثانى له .
وهكذا كان الأمر ’ كما ستعلم تفصيله فى مكانه إن شاء الله تعالى .
الأحكام المتعلقة بذلك :
هذا عن بعض الحكم الإلهية المتعلقة بأمر صلح الحديبية ’ أما ما يتعلق بذلك من الدلالات و الأحكام فإنه كثير ’ وسنقتصر فى ذلك على ما يلى :
أولاً:- الإستعانة بغير المسلمين فيما دون القتال :
قلنا أن النبى صلى الله عليه وسلم أرسل بشر ابن سفيان عيناً الى قريش ليأتيه بأخبارها ’ وبشر ابن سفيان كان مشركاً من قبيلة خزاعة ’ وفى هذا تأكيد لما كنا قد ذكرناه سابقاً من أن أمر الإستعانة بغير المسلم يتبع ظرف وحالة الشخص الذى يستعان به ’ فإن كان ممن يطمأن غليه ولا تخشى منه بادرة غدر أو خديعة جازت ’ وإلا فلا ’ وعلى كل فإن النبى صلى الله عليه وسلم فى كل الحالات إنما إستعان بغير المسلمين بما دون القتال ’ كإرساله عيناً على الأعداء أو إستعارة أسلحة منهم وما شابه ذلك’ والذى يبدو أن الإستعانة بغير المسلمين فىالقضايا السلمية أشبه بالجواز منها فى أعمال القتال و الحرب .
ثانياً : - طبيعة الشورى فى الإسلام
لقد رأينا فى عامة تصرفات النبى صلى الله عليه وسلم ما يدل على مشروعية الشورى وضرورة التمسك بها للحاكم ’ وعمل النبى صلى الله عليه وسلم هنا ’ يدل على طبيعة هذه الشورى و المعنى الذى شرعت من أجله : فالشورى فى الشريعة الإسلامية مشروعة ولكنها ليست ملزمة ’ وإنما الحكمة منها إستخراج وجوه الرأى عند المسلمين ’ والبحث عن مصلحة قد يختص بعلمها بعضهم دون بعض ’ أو إستطابة نفوسهم ’ فإذا وجد الحاكم فى ىرائهم ما سكنت نفسه إليه على ضوء دلالة الشريعة الإسلامية وأحكامها ’ أخذ به ’ وإلا كان له أن يأخذ بما شاء بشرط أن لا يخالف نصاً فى كتاب الله ولا سنّة ولا إجماعاً للمسلمين ’ ولقد وجدنا أن النبى صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه فى الحديبية ’ وأشار عليه أبو بكر بما قد علمت ’ قال له ك إنك يا رسول الله خرجت عامداً هذا البيت ’ فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه .
ولقد وافقه النبى صلى الله عليه وسلم فى بادىء الأمر ’ ومضى مع أصحابه متجهاً الى مكة حتى إذا بركت ناقته ’ وعلم أ نها ممنوعة .... ترك الرأى الذى كان قد أشير عليه به ’وأعلن قائلاً : والذى نفسى بيده لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ’ وحينئذ تحول العمل عن ذلك الرأى الذى أبداه ابو بكر ’ الى أمر الصلح و الموافقة على شروط المشركين ’ دون أن يستشير فى ذلك أحداً ’ بل ودون أن يصيخ الى إستعظام واستنكار المستنكرين كما قد رأيت .
فهذا يعنى أن أمر الشورى يأتى من وراء حكم الوحى الذى هو اليوم : الكتاب و السنة وإجماع الأئمة ’ رضوان الله عليهم ’ كما يدلنا أيضاً على أن الشورى إنما شرعت للتبصر بها لا للإلتزام أو التصويت على أساسها .
ثالثاً:- التوسل و التبرك بآثار النبى صلى الله عليه وسلم :
قلنا إن عروة ابن مسعود ’ جعل يرمق أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بعينيه ’ قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ’وإذا أمرهم ابتدروا أمره ’ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ’ وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ’ ما يحدّون النظر إليه تعظيماً إليه .
إنها لصورة بارزة حية أوضحها عروة ابن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عندها كل مسلم ’ إنها تدل أولاً: على أنه لا إيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم بدون محبة له ’ وليست المحبة له معنى عقلانياً مجرداً ’ وإنما هى الأثر الذى يستحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذى وصف به عروة ابن مسعود أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وهى تدل ثانياً: على أن التبرك بآثار النبى صلى الله عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ’ ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن التبرك بشعر النبى وعرقه ووضوئه وبصاقه و القدح الذى كان يشرب فيه صلى الله عليه وسلم ’ وقد ذكرنا تفصيل بعض هذه الأحاديث فيما مضى .
وإذا علمت أن التبرك بالشىء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النبى صلى الله عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ’ فضلاً عن التوسل بذاته الشريفة .
وليس ثمّة فرق بين أن يكون ذلك فى حياته صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته ’ فآثار النبى صلى الله عليه وسلم وفضلاته ’ لا تتصف بالحياة مطلقاً ’ سواء تعلق التبرك و التوسل بها فى حياته أو بعد مماته كما ثبت ذلك فى صحيح البخارى فى باب شيب النبى صلى الله عليه وسلم .
ومع ذلك فقد ضل قوم لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وراحوا يستنكرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بحجة أن تأثير النبى صلى الله عليه وسلم قد إنقطع بعد وفاته ’ فالتوسل به إنما هو توسل بشىء لا تأثير له البتة ! وهذه حجة - كما ترى - تدل على جهل عجيب جدا ... ! ’ فهل ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم تأثير ذاتى فى الأشياء فى حال حياته ’ حتى نبحث عن مصير هذا التأثير بعد وفاته ؟ ! إن أحداً من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أى تأثير ذاتى فى الأشياء لغير الله الواحد الأحد جل جلاله ’ ومن إعتقد خلاف هذا يكفر بإجماع المسلمين كلهم ’ فمناط التبرك و التوسل بآثار النبى صلى الله عليه وسلم وبه ليس هو إسناد أى تأثير إليه ’ والعياذ بالله ’ وإنما المناط كونه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق وكونه رحمة من الله على العباد فهو التوسل بقربه صلى الله عليه وسلم الى ربه ’ وبرحمته الكبرى للخلق ’ وبهذا المعنى توسل الأعمى به صلى الله عليه وسلم فى أن يرد عليه بصره ’ فرده الله عليه ’ وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أى إنكار ’ وقد مرّ فى الكتاب بيان الإستشفاع بأهل الصلاح و التقوى وأهل بيت النبوة فى الإستسقاء وغيره ’ وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة و الفقهاء بما فيهم الشوكانى وابن قدامة الحنبلى ’ والصنعانى وغيرهم .
والفرق بعد هذا بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم خلط عجيب وغريب فى البحث لا مسوّغ له .
رابعاً:- حكم الوقوف على الإنسان وهو قاعد :
لقد علمت مما سبق أن المغيرة ابن شعبة رضى الله عنه ’ كان واقفاً على رأس النبى صلى الله عليه وسلم ومعه السيف ’ وكلما أهوى عروة ابن مسعود بيده الى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل السيف ’ قائلاً : أخر يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كنا ذكرنا فيما مضى عند الحديث عن غزوة بنى قريظة - أنه لا يشرع القيام على رأس أحد وهو قاعد ’ وأن ذلك من مظاهر التعظيم الذى تعافه الأعاجم فيما بينهم وأنكره الإسلام ’ وإنما التمثل الذى نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله :( من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) فكيف كان الأمر على خلاف ذلك هنا ؟
و الجواب أنه يستثنى من عموم المنع مثل هذه الحالة بخصوصها ’ أى فى حالة قدوم رسل العدو الى الإمام أو الخليفة ’ فلا بأس حينئذ من قيام حرس أو جند على رأسه ’ إظهاراً للعزة الإسلامية ’ وتعظيماً للإمام ووقاية له مما قد يفاجأ به من سوء ’ أما فى أعم الأحوال فلا يجوز ذلك لمخالفته مقتضى التوحيد و العقيدة الإسلامية ’ دون أى ضرورة إليه ’ ويشبه هذا ’ ما مر بيانه عند الحديث عن أبى دجانة فى غزوة أحد فقد قلنا : إن كل ما يدل على التكبر و التجبر فى المشى ممنوع شرعاً ولكنه جائز فى حالة الحرب بخصوصها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم عن مشية أبى دجانة : إنها مشية يكرهها الله إلا فى هذا الموضع .
خامساً :- مشروعية الهدنة بين المسلمين وأعدائهم :
استدل العلماء و الأئمة بصلح الحديبية على جواز عقد هدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم الى مدة معلومة ’ سواء كان ذلك بعوض يأخذونه منهم أم بغير عوض ’ أما بدون عوض فلأن هدنة الحديبية كانت كذلك ’ وأما بعوض فبقياس الأولى لأنها إذا جازت بدون عوض ’ فلأن تجوز بعوض أقرب وأوجه .
وأما إذا كانت المصالحة على مال يبذله المسلمون ’ فهذا غير جائز عند جمهور العلماء لما فيه من الصغار لهم ’ ولأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فى كتاب الله تعالى ’ قالوا : إلا أن دعت إليه ضرورة لا محيص عنها وهو أن يخاف المسلمون الهلاك والأسر فيجوز ’ كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال.
سادساً:- ذهب الشافعى وأحمد وكثير من الأئمة الى أن الصلح لا ينبغى أن يكون إلا إلى مدة معلومة ’ وأنه لا تجوز أن تزيد المدة على عشر سنوات مهما طالت ’ لأنها هى المدة التى صالح النبى صلى الله عليه وسلم قريش عليها عام الحديبية .
سابعاً:- الشروط فى عقد الهدنة تنقسم الى صحيحة وباطلة ’ فالصحيح : كل شرط لا يخالف نصاً فى كتاب الله أو سنة رسول الله ’ مثل أن يشترط عليهم مالاً أو معونة للمسلمين عند الحاجة ’ أو أن يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلماً أو بأمان ’ ولقد أطلق الأئمة صحة هذا الشرط الخير ’ ما عدا الشافعى رضى الله عنه ’ فقد شرط لذلك أن تكون له عشيرة تحميه بين الكافرين ’ وحمل على ذلك موافقة النبى صلى الله عليه وسلم على هذا الشرط لقريش .
والباطل : كل شرط فيه معارضة لحكم شرعى ثابت ’ ومنه أن يشترط ردّ النساء المسلمات أو مهورهنّ إليهم ’ أو إعطائهم شيئاً من سلاح المسلمين أو أموالهم ’ وأساس الإستدلال على هذا عدم رد النبى صلى الله عليه وسلم النساء الاتى جئن هاربات بدينهنّ ’ ونهى القرآن صراحة عن ذلك ’ كما مرّ بيانه فى حينه . ولعلك تقول : أفلم يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك عهداً قطعه على نفسه’ وذلك إذ وافق على رد كل ما أتاه مسلماً من مكة ؟ ... والجواب أن ذلك ليس نصاً فى خصوص النساء ’ بل يحتمل أنه لا ينحط إلا على الرجال وحدهم ’ ومهما يكن فقد علمت فيما سبق أن تصرفات النبى صلى الله عليه وسلم لا تكتسب قوة الحكم الشرعى إلا إذا أقرها الكتاب بالسكوت عليها أو التأكيد لها ’ ولقد أقر الكتاب كل بنود المصالحة ’ إلا ما يتعلق برد النساء الى بلد الكفر فلم يقره - وذلك على فرض دخوله فى بنود الإتفاقية وشروطها .
ثامناً:- حكم الإحصار فى العمرة و الحج :
ودل عمل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من أمر الصلح ’ من التحلل والنحر والحلق ’ على أن المحصر يجوز له أن يتحلل ’ وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها ويحلق ثم ينوى التحلل مما كان قد أهلّ به ’ سواء كان حجاً أو عمرة .
كما دل ذلك على أن المتحلل لا يلزم بقضاء الحج أو العمرة إذا كان متطوعاً ’ وخالف الحنفية فرأوا أن القضاء بعد المباشرة واجب ’ على أن جميع الذين خرجوا معه صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية خرجوا معه فى عمرة القضاء التى سيأتى ذكرها ’ إلا من توفى واستشهد منهم فى غزوة خيبر .