كان عدى ابن حاتم نصرانياً ’ وهو ابن حاتم الجواد المشهور ’ وكان إمرءاً شريفاً فى قومه ’ وكان يأخذ من قومه المرباع ( وهو ربع ما يصلهم من غنائم الحروب ’ كان العرب يجعلون ذلك للرئيس منهم ) فلما سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته ’ كره دعوته ’ وترك قومه ولحق بنصارى الشام .
قال عدى: فكرهت مكانى هناك أشد من كراهتى له ( أى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقلت : لو أتيته فإن كان ملكاً أو كاذباً لم يخف علىً ’ وإن كان صادقاً إتبعته . فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ’ فدخلت عليه وهو فى مسجد ’ فسلمت عليه ’ فقال : من الرجل : فقلت : عدىّ ابن حاتم ! فقام رسولالله صلى الله عليه وسلم فانطلق بى الى بيته ’ فوالله إنه لعامد بى إليه ( أى قصد بى الى الدار ) إذ لقيته إمرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته ’ فوقف لها طويلاً ’ تكلمه فى حاجتها ’ فقلت فى نفسى ’ والله ما هذا بملك !. ثم مضى بى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بى الى بيته ’ تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إلىّ فقال : إجلس على هذه ’ قلت : بل أنت فاجلس عليها ’ فقال : بل أنت ’ فجلست عليها ’ وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض . فقلت فى نفسى : والله ما هذا بأمر ملك . ثم قال : إيه يا عدىّ ابن حاتم ’ هل تعلم من إله سوى الله ؟ قلت : لا ’ ثم قال : هل تعلم شيئاً أكبر من الله ؟ قلت : لا ’ قال : ألم تكن ركوسياً ؟ ( قوم لهم دين بين النصارى و الصابئة ) قلت : بلى ’ قال : أولم تكن تسير فى قومك بالمرباع ؟ قلت : بلى ’ قال : فإن ذلك لم يكن يحل فى دينك ’ قلت : أجل والله ’ ثم قال : لعلك يا عدىّ إنما يمنعك من دخول هذا الدين ما ترى من حاجة أهله ’ فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ’ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ’ فوالله ليوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ’ ولعلك يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك و السلطان فى غيرهم ’ وأيم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ! .. قال : فأسلمت .
قال عدىّ : فرأيت اثنين : الظعينة ’ وكنت فى أول خيل أغار على كنوز كسرى ’ وأحلف بالله لتجيئن الثالثة .
العبر و العظات :
كان قدوم عدىّ ابن حاتم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبر إسلامه فى الفترة التى قدم فيها الوفود من كل جهة وصوب ’ ونستطيع أن نعده فى مجيئه هذا واحداً من تلك الوفود الكثيرة التى سعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلن إسلامها ’ غير أن آثرنا إفراد خبر عدىّ بالتفصيل لما فيه من العبر الهامة المتعلقة بأسس العقيدة الإسلامية ’ ولما فيه من التحليل الدقيق ’ بل و وتجسيد واضح لشخصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ تلك الشخصية التى ظهرت جلية واضحة لعدى ابن حلتم ’ مصفاة من كل شوائب لزعامة أو ملك وحب الإمارة ’ او الكبرياء و الجاه ’ لا يتراءى فيها سوى الإعلام من أنه رسول رب العالمين الى الناس أجمعين ’ فكانت اساس إيمانه وسر هدايته .
فلنتأمل فيما تأمل فيه عدىّ ... ولنعتبر بما اعتبر به عدىّ ’ لنزداد إيماناً ويقيناً بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ’ ولنزداد يقيناً بمعنى المكيدة التى تكمن خلف دراسات محترفى الغزو الفكرى فى العالم الإسلامى ... ولنقف قليلاً أمام السمة التى صور بها عدىّ شخصية الرسول عليه الصلاة و السلام كما رآها فتأثر بها ’ فكانت سر إيمانه .
يقول عدىّ :( فوالله إنه لعامد الى داره ’ إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلاً تكلمه فى حاجتها ’ فقلت فى نفسى : والله ما هذا بملك ) . أجل فما أبعد الطامع بالملك أو المؤمل فى الزعامة و المجد الدنيوى ’ عن الصبر على مثل هذه الوقفة . ولأن صابر نفسه فتصنع لذلك وقسرها على ما تكره ’ فما أسرع ما تظهر دلائل المصانعة من ضجر و تأنف ’ أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت هذه سجيته و طبيعته ’ فى كل حال ’ فما كان يتميز على أصحابه فى مجلس ’ وما كان يعلو فى معيشته وحياته من مستوى الفقراء و المساكين ’ وما أثر أنه صلى الله عليه وسلم أكل على خوان قط ’ وما رؤى أصحابه صلى الله عليه وسلم يكدون فى عمل شاق إلا كان النبى صلى الله عليه وسلم منهمكاً فيه معهم ’ كانت هذه صفته صلى الله عليه وسلم حتى فارق الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى ’ فأى سر يمسكه على هذه الحال ( مع ما فيه من الخصائل التى لو أحب أن يتعلق بها لرفعته الى مكانة عالية لا ينتهى إليها احد غيره ) غير سر النبوة التى أكرمه الله بها ؟!.
ويقول عدىّ : فلما دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إلىّ فقال : اجلس على هذه ... فجلست عليها ’ وجلس هو على الأرض ! ... فقلت فى نفسى والله ما هذا بأمر ملك .
ولعل عدياً - وهو الذى كان ذا مكانة مرموقة فى قومه - كان يحسب أن يجد بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بشىء من المعنى الذى كان يتمتع به هو ’ ولكنه فوجىء بعكس ذلك ’ وفوجىء برسول الله صلىالله عليه وسلم يتربع جالساً على أرض يابسة ! ... ونظر ’ فإذا بالدار تنطق بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من تلك المظاهر التى كان يتوقع رؤيتها فى شىء ’ أفيكون مع ذلك ينشد من وراء دعوته هذه ملكاً ويسعى وراء ثروة ومجد ؟!
ويصف عدى رضى الله عنه بعد ذلك ’ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ وكيف استشف فيه الغيب المتعلق بمستقبل الإسلام و المسلمين .
قال له : ليوشكن المال أن يفيض فى المسلمين حتى لا يوجد من يأخذه ’ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقد بعث عمر ابن عبد العزيز عامله بأموال الزكاة لتوزيعها على المستحقين فى جهات من أفريقية ولكنه عاد بها ثانية لأنه لم يجد من يأخذها ’ فاشترى بها ارقاء و أعتقهم .
وقال له : ليوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ’ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقد إمتد فوق هذه الرقعة أمن الإسلام وسلامه ’ فما من عابر سبيل فيها يخاف شيئاً غير الله عز وجل و الذئب على غنمه ’ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث آخر .
وقال له : وأيم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت على المسلمين ’ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقد سمعنا بذلك ورأينا ’ والحمد لله الذى أنجز ما وعد به رسوله عليه الصلاة و السلام . لقد وجد عدىّ سمات النبوة الصادقة فى مظهر معيشته و حياته ’ ووجد هذه السمات أيضاً فى لون حديثه وكلامه ’ ووجد مصداق ذلك فيما بعد .. فى وقائع الزمن و التاريخ ’ فكان ذلك سبب إسلامه ’ وانخلاعه عن مظاهر الأبهة و الترف التى كان قد اسبغها عليه قومه . وإذا توفر عقل مفكر ’ وتوفرت معه حرية فة التأمل ’ فلا مفر إذاً من قبول الحق و الإيمان به مهما شق السبيل الى ذلك ’ أما إذا فقدت الحرية للفكر وضاعت قدسية العقل ونبتت فى مكانها قدسية الحقد و الهوى ’ فلا مناص من العكوف على الباطل ’ ولا مفر من معانقة الجهل و التجاهل ’ ولا نعمة تفوق نعمة العمى أو التعامى .
وصدق الله رب العالمين إذ يبين لنا صفات هؤلاء :( وقالوا قلوبنا فى أكنّة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ) .