الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: فقه السيرة النبوية
المؤلف: محمد سعيد رمضان البوطي
التصنيف: الأخبار
 

القسم السادس : الفتِِِح -مقدماته و نتائجه - مرحلة جديدة من الدعوة

غزوة خيبر

ثم سارالنبى صلى الله عليه وسلم الى خيبر ’ فى أواخر المحرم للسنة السابعة  من الهجرة ’ وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مائة ميل شمال المدينة جهة الشام .

وكان  مع النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة ألف و أربعمائة مقاتل ما بين فارس وراجل ’ قال ابن هشام : فلما أشرف النبى صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه قفوا ’ ثم قال : ( اللهم رب السموات السبع وما أظللن ’ ورب الأرضين السبع وما أقللن  ’ ورب الشياطين وما أضللن  ’ ورب الرياح وما أذرين  ’ فإنا نسألك من خير هذه القرية وخير أهلها  وخير ما فيها  ’ ونعوذ بك من شرها وشر أهلها  وشر ما فيها ’ أقدموا باسم الله )

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا  قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح ’ فإن سمع أذاناً أمسك وإن لم يسمع أذاناً أغار ’ فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وفئوسهم ومكاتلهم ’ يقصدون مزارعهم ’ فلما رأوه صاحوا : محمد و الخميس ’ ثم ولوا هاربين ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر  خربت خيبر ’ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . قال ابن سعد : فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ’ وفرق بينهم الرايات ’ وابتدأت المعارك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل خيبر - وقد تحصنوا بحصونهم - وأخذ المسلمون يفتحونها حصناً حصناً : إ لا الحصنين الأخيرين : الوطيح والسلالم ’ فقد حاصرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة  .

روى أحمد و النسائى وابن حبان و الحاكم  من حديث بيردة ابن الخطيب ’ قال : لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء ’ فرجع ولم يفتح ’ فلما كان الغداة أخذه عمر ’ فرجع ولم يفتح  ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لأدفعنّ لوائى غداً الى رجل يفتح الله على يديه ’ يحب الله  ورسوله ’ قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم ( أى يتساءلون ويختلفون ) أيهم يعطاها ’  فلما أصبح الناس ’ غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم  كلهم يرجو أن يعطاها ’ فقال : أين علىّ ابن أبى طالب  ؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكى عينيه ’ قال : فأرسلوا إليه ’ فأتى به ’ فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عينيه ودعا ’ فبرأ ’ حتى كأن لم يكن به وجع ’ فأعطاه الراية ’ فقال علىّ يا رسول الله ’ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا (أىمسلمين)  ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ’ ثم أدعهم الى الإسلام ’ وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ’ فوالله لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ’ ثم خرج فقاتل ’ فكان الفتح على يديه ’ وغنم المسلمون كل ما فى تلك الحصون من أموال .

أما ذانك الحصنان ’ فقد ظل المسلمون يحاصرونهما ’ حتى إذا أيقن من فيه بالهلاك سألوه صلى الله عليه وسلم أن يخرجهم  ويجليهم ويحقن دماءهم ويتركوا له الأموال ’ فوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك  ’ ثم إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعونها لأنهم أعرف بأراضيهم وأعمر لها ولهم شطر ما يخرج منها ’ فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  على ذلك ’ وقال لهم : على أنا إن شئنا أن نخركم أخرجناكم  .

قال ابن اسحاق : فلما إطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ’ أهدت له زينب بنت الحارث إمرأة سلام ابن مشكم ’ شاة مصلية ( مشوية)  وكانت قد سألت  أى عضو من الشاة أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟ فقيل لها الذراع  ’ فأكثرت فيها من السم  ’ ثم سمت سائر الشاة  ’ ثم جاءت بها ’ فلما وضعتها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ تناول الذراعفلاك منها مضغة فلم يسغها ’ ومعه بشر ابن البراء ابن معرور ’ قد أخذ منها كما أخذ  رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأما بشر فأساغها ’وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ’ ثم قال : إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم ’ ثم دعا بها فاعترفت ’ فقال ما حملك على ذلك ؟  قالت : بلغت من قومى ما لم يخف عليك ’ فقلت : إن كان ملكاً استرحت منه ’ وإن كان نبياً فسيخبر فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ ومات بشر من أكلته .

والذى جزم به الزهرى وسليمان التيمى فى مغازيه أنها أسلمت ’ واختلفوا بعد ذلك ’ هل  قتلها النبى صلى الله عليه وسلم قصاصاً عن بشر أم لا ؟ ’ فأخرج ابن سعد بأسانيد متعددة أنه صلى الله عليه وسلم دفعها الى أولياء بشر فقتلوها ’ غير أن الصحيح ما رواه مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها : ما كان الله ليسلطك على ذاك ( أى على قتلى ) قالوا : ألا نقتلها يا رسول الله ؟ قال : لا  .

وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر بين المسلمين ’ للراجل سهم وللفرس سهمان وفسر ذلك نافع رضى الله عنه ’ فيما رواه البخارى ’ بأنه إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة اسهم ’ فإن لم يكن ’ فله سهم واحد ’ وكانت صفية بنت حيى ابن أخطب - زعيم اليهود - بين من أسر من نساء خيبر ’ فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد أن اسلمت - وتزوجها ’ وجعل مهرها  عتقها .

 

قدوم جعفر ابن أبى طالب من الحبشة

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحبشة وهو فى خيبر جعفر ابن أبى طالب  ومن معه  وهم ستة عشر  رجلاً وامرأة وجمع آخر كانوا فى اليمن فأسهم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الغنائم ’ بعد أن إستأذن فى ذلك المسلمين  .

قال ابن هشام : فلما قدم جعفر ابن ابى طالب  على رسول الله صلى الله عليه وسلم  قبّل رسول الله بين عينيه والتزمه ’وقال : ما أدرى بأيهما اسرّ ’ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر  .

ولما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً الى المدينة استعمل على خيبر رجلاً من الأنصار قيل غنه :سوّاد ابن غزية من بنى عدى ’ فجاءه منها بتمر جنيب ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أكلّ تم خيبر هكذا  ؟ فقال : لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين بالثلاثة ’ فقال : لا تفعل ’ بع الجمع بالدراهم ثم إبتع بالدراهم جنيباً .

 

العبر و العظات :

أول ما ينبغى أن يسترعى إنتباهنا من أمر هذه الغزوة ’ ملاحظة الفرق بين طبيعتها  وطبيعةالغزوات السابقة التى تحدثنا عنها .

لقد كانت الغزوات السابقة كلها قائمة على أسباب دفاعية ’ إقتضت المسلمين أن يدافعوا  بها عن وجودهم ’ وأن يردوا بها هجمات أعدائهم ’ كما قد رأيت لدى بيان سبب كل غزوة منها .

أما هذه الغزوة ’ وهى أول غزوة تأتى بعد وقعة بنى قريظة وصلح الحديبية ’ فإن لها وضع آخر ’ وإنها لتختلف إختلافاً جوهرياً عن تلك التى كانت من قبلها ’ وهى تدل بذلك على أن الدعوة الإسلامية قد دخلت مرحلة جديدة من بعد صلح الحديبية .

فغزوة خيبر أول غزوة بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأغار فيها فجأة على اليهود الذين استوطنوا بقاع خيبر ’ دون أن يبدأوا المسلمين  بأى محارة أو قتال .

لقد كان السبب الوحيد لها هو دعوة اليهود الى الإسلام  ’ ومحاربتهم على كفرهم وعنادهم عن قبول الحق وأحقادهم المعتلجة فى صدورهم رغم الدعوة السلمية التى قامت مدة طويلة على الأدلة و البراهين ’ ولذلك بات رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة الأولى من وصوله الى  خيبر  دون أن يشعر أحداً بوجوده أو أن يقاتل  أحد ’ وانتظر حتى أصبح ولم يسمع أذاناً الى الصلاة - وهى الشعيرة الإسلامية الكبرى - أغار عليهم وقاتلهم على ذلك ’ وقد قلنا إنه كان إذا غزا قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح ’ فإن سمع أذاناً أمسك ’ وإن لم يسمع أذاناً أغار .

ويزداد هذا السبب وضوحاً إذا تأملت فى سؤال على رضى الله عنه  لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطاه اللواء : أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ وفى جوابه صلى الله عليه وسلم إذ قال : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم  ثم أدعهم الى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه .

 

ولقد استنبط العلماء من غزوة خيبر هذه الدلالات وأحكاماً كثيرة أخرى نذكر منها فيما يلى جملة :

أولها : جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها ’ بدون إنذار  مسبق أو دعوة مجددة :

وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء ’ فذلك ما فعله  رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إغارته على خيبر ’ وأما بلوغ الدعوة وتفهم الإسلام  فهماً صحيحاً على وجهه فهو شرط بالإتفاق .

 

ثانيها : تقسيم الغنائم على الأساس الذى ورد ذكره :

وهو تقسيم أربعة أخماسها بين الغانمين  يعطى للراجل سهم  وللفارس ثلاثة أسهم : سهم له وسهمان للفرس ’ والخمس الباقى يوزع أخماساً على من نصت عليه الآية القرآنية :( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى و اليتامى و المساكين  وابن السبيل  ) وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الخمس يوزع من بعده على مصالح المسلمين كما ذهب الى ذلك الشافعية والحنفية ’ وقيل يختص به الخليفة فيصرفه فيما يراه ’ والقولان متقاربان .

 

ثالثها :- جواز إشراك  غير المقاتلين فى الغنيمة ممن حضر مكان القتال :

وذلك بعد إستئذان أصحاب الحق فيها ’ فقد أشرك النبى صلى الله عليه وسلم  جعفر ابن أبى طالب ومن معه فى الغنائم ’ بإذن من الصحابة حينما عادوا من الحبشة  واليمن .

واعلم أن  رواية البخارى فى  هذا خالية عن التقييد بإستئذان المسلمين  ’ ولكن زاد البيهقى  فى روايته أن النبى صلى الله عليه وسلم  قبل أن يقسم لهم  كلّم المسلمين فأشركوهم  ’ وزيادة العدل مقبولة  والذى زاد من قيمة القيد الذى رواه البيهقى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يسهم  لأبان ابن سعيد ’ وقد كان أرسله  على سرية قبل نجد فعاد منها الى خيبر بعد إنتهاء القتال  ’ وقال له صلى الله عليه وسلم  : إقسم لنا يا رسول الله  ’ فلم يقسم له  ’ وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول منهما على إذن الجماعة فى القسمة ’ والثانى على عدمه .

ولعلك تسأل ما مصير حكم  الغنائمهذا مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب و الجند و سياسة عطاءاتهم ومرتباتهم  ؟

و الجواب : أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك و الحنفية على نحو ما مرّ بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة  ’ أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بنفس الطريقة التى كان يسلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم  مع ملاحظة ما تطورت  إليه وسائل القتال وطرائقه فى تفاوت درجات المقاتلين   .

ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة  إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئاً من هذه الأموال لنفسها .

 

رابعها :- مشروعية عقد المساقاة :

وهى أن يعامل مالك الأرض غيره على  ما فيها من شجر ليتعهده بالسقاية و التربية على أن الثمار تكون بينهما ’ وقد ذهب مالك  و الشافعى وأحمد  رضى الله عنهم الى  صحة هذا العقد  مستدلين على ذلك بمعاملته صلى الله عليه وسلم  أهالى خيبر ’ وانفرد أبو حنيفة رضى الله عنه  فلم يجوّز ذلك ’ قال : ولا دليل فى الحديث ’ لأن خيبر فتحت عنوة فكان أهلها عبيداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ’ فما أخذه فهو له وما تركه فهو له  ’ وخالفه الصاحبان فاتفقا مع الجمهور على صحته ’  ثم إختلف العلماء : هل ينبغى أن يقال بصحة هذا العقد على كل أنواع الشجر أم هو خاص بالنخيل و العنب ’ وقوفاً عند مورد الدليل ’ إذا كانت عامة أشجار خيبر نخيلاً وعنباً  ’ والذى ذهب إليه كثير من الفقهاء هو التعميم فى كل أنواع الشجر ’ أما المزارعة فقد منعها قسم كبير ممن صحح عقد المساقاة  ’ منهم الشافعية ’ وهى أن يعامل مالك الأرض شخصاً آخر على أن يعمل فيها بالزراعة و الإستنبات  بجزء مما  ستخرجه الأرض ’ قال جمهور الشافعية هو غير صحيح ’ لما ثبت  فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم  نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة ’ قالوا : إلا أ، يكون عقد المزارعة تبعاً للمساقاة أى بأن يكون بين الشجر بياض إتفق الطرفان على زراعته ضمن إتفاقهما على عقد المساقاة  .

 والراجح لدى التأمل فى مجموع الأدلة صحة كل من عقد المساقاة و المزارعة فقد قالوا فى بيانه أن  النهى كان فى  أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليست لهم أرض ’ فأمر النبى صلى الله عليه وسلم الأنصار بالتكرم بالمواساة ’ ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال : كان لرجال من الأنصار فضول أرض وكانوا يكرونها بالثلث و الربع  فقال النبى صلى الله عليه وسلم : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ’ فإن أبى فليمسكها ’ ثم بعد توسع حال المسلمين زال الإحتياج فأبيحت لهم المزارعة وأن يتصرف المالك فى ملكه كما يشاء ’ ويدل على ذلك ما وقع من المزارعة و المؤاجرة فى عهده صلى الله عليه وسلم  وعهد الخلفاء من بعده .

 

خامسها :- مشروعية تقبيل القادم والتزامه :

وهو مما لا نعلم فيه خلافاً معتداً به إذا كان  قادما من سفر أو طال العهد به  ’ واستدل العلماء فى ذلك بتقبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر ابن أبى طالب  بين عينيه  والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة ’ والحديث رواه أبو داود بسند صحيح ’ وروى الترمذى عن عائشة رضى الله عنها  قالت : قدم زيد ابن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم  فى بيتى فأتاه فقرع الباب  ’ فقام إليه النبى صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه ’ فاعتنقه وقبله .

ويشكل عليه فى الظاهر ما رواه الترمذى أيضاً عن أنس ابن مالك رضى الله عنه  قال : قال رجل يا رسول الله ’ الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحنى له ؟ قال : لا ’ قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا  قال : فيأخذ بيده و يصافحه ؟ قال : نعم  .

وجواب الإشكال أن سؤال الرجل فى هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل و صاحبه ’ والتقبيل و الإلتزام أمر غير مرغوب فيه  فى مثل هذه الحال ’ أما ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم  من ذلك بالنسبة الى جعفر وزيد فإنما كان ذلك - كما قد علمت - أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان .

 

سادسها :- حرمة ربا الفضل فى المطعومات :

وهو أن يتبادل إثنان مطعومين من جنس واحد مع تفاضل بينهما ’ وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة صحيحة منها ما رواه مسلم عن عبادة ابن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينهى عن بيع الذهب بالذهب ’ والفضة بالفضة ’ والتمر بالتمر ’ والبر بالبر ’ والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين  فمن زاد أو إستزاد فقد أربى . ومنها ما رويناه  عن البخارى من نهى النبى صلى الله عليه وسلم  عن مبادلة التمر الجيد بالتمر الردىء مفاضلة .

وليس هذا مجال البحث فى الحكمة من تحريم هذا التبادل واعتباره رباً محرماً ’ فمجال ذلك المطولات من كتب الفقه ’ ولكن  الذى ينبغى التنبيه إليه هنا هو أن النبى صلى الله عليه وسلم  أرشد من يريد أن يستبدل تمراً جيداً بردىء أو غيره من المطعومات بمثله الى وسيلة أخرى سائغة لا ربا فيها ’ وهى أن يبيع الردىء بالدراهم ثم يشترى بها الجيد الذى يبتغيه ’ ولا يضيره فى شىء إنه إنما يريد أن يتوسل بالبيع  الى شىء آخر كان محرماً فى الأصل وأنه  لا يقصد البيع لذاته لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  سوغ ذلك ’ وإنما المحرم ما قد نهى عنه الكتاب أو نهت عنه السنة نهياً جازماً .

و الحكم الذى يستنتج من هذا ’ أنه يجوز التوصل الى تحويل حكم لآخر بواسطة  مشروعة لذلك ’ ولا يعتبر ذلك   حيلة محرمة ’ فيجوز أن ينكح  الرجل إمرأة مطلقة بقصد تحليلها لزوجها السابق إذا لم يشترط ذلك فى العقد  ’ ويجوز أن يعطى صاحب الدين  زكاة ماله للمدين الذى عجز عن إبراء ذمته نحوه ثم يسترده منه عن دينه .

ولا عبة لمخالفة ابن القيم فى هذا ’ محتجاً بأن الأعمال بمقاصدها ’ وأن الذى باع قاصداً شيئاً آخر غير ما شرع له البيع ’والذى نكح  قاصداً غير الذى شرع له النكاح متلبسان بفعل  باطل لأنهما حوّلا الحكم عن غايته الى غاية أخرى لم يشرع لها ذلك الحكم ’ نقول : لا عبرة لكلامه هذا ’ لأنه يناقض  حديث البخارى الذى ذكرناه مناقضة صريحة  ’ والقواعد الفقهية إنما تأتى من وراء النصوص لا من فوقها ’ ولأن ابن القيم ناقض نفسه مناقضة فى منتهى الغرابة و العجب بصدد هذا البحث فى كتابه إعلام الموقعين
فقد أطال فى ذم تحريم بعض الصور التى سمّاها  حيلاً محرمة وأطنب فى تفنيد آراء الأئمة القائلين بصحتها ’ وتوعد بأن لهم مواقف عصيبة بين يدى الله يوم القيامة ’ ثم ما لبث بعد بضع صفحات أن راح يسوّغها ويضرب بها المثل للحيل الشرعية الصحيحة ’ وكأنه  ليس هو الذى أطنب قبل قليل فى تفنيدها و التحذير منها  .

ثم إن  ىف هذه الغزوة حادثتين ’ كل منهما ثابت بالحديث الصحيح ’ تعدان من الخوارق العظيمة التى أيّد الله بها محمد صلى الله عليه وسلم  :

أولاهما:- أنه صلى الله عليه وسلم تفل فى عين علىّ ابن أبى طالب  رضى الله عنه  وقد كان يشتكى منها فبرأت  فى الوقت نفسه حتى كأن لم يكن به وجع .

الثانية :- ما أوحى الله إليه من أمر الشاة المسمومة  عندما أراد الأكل منها ’ ولأمر ما  سبق قضاء الله تعالى فابتلع بشر ابن البراء لقمته قبل أن ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها مسمومة  فكان قضاؤه فى ذلك  ’ ولعل فى  ذلك مزيداً من بيان ما إختص الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم  من الحفظ و العصمة  من أيدى الناس و كيدهم ’ تنفيذاً لوعده جل جلاله : والله يعصمك من الناس .

ولقد ذكرنا أن الرواة إختلفوا : هل أسلمت المرأة اليهودية أم لا  ؟  ’ و الذى يغلب - على ما جزم به الزهرى - أنها أسلمت  ’ ولذلك لم يقتلها النبى صلى الله عليه وسلم  على ما ذكره مسلم .

لا يقال إن القصاص كان يقتضى قتلها ’ لأن القاعدة المتفق عليها : أن الإسلام يجب ما قبله ’ فالقتل الذى يستوجب القصاص   هو ما كان  واقعاً بعد إسلام القاتل أما ما قبله فالأمر فى ذلك راجع الى الحرابة ’ ومعلوم أن الحرابة تنتهى بالدخول فى الإسلام .

ثم إن يهود خيبر مكثوا يزرعون الأرض على النصف من نتاجها ’ الى أن كانت  خلافة عمر رضى الله عنه ’ فقتلوا أحد الأنصار وعدوا على عبد الله ابن عمر فقدعت  يداه ’ فقال رضى الله  عنه للناس :  إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شئنا ’ وقد عدوا على عبد الله ابن عمر فقدعو يديه  كما قد بلغكم ’ مع عدوهم على الأنصارى من قبل ’ لا نشك أنهم أصحابه ’ ليس لنا عدو غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به ’ فإنى مخرج يهود .

وهكذا تم إخراج اليهود من الجزيرة العربية ’ ولولا بغيهم وعدوانهم واستكبارهم على الحق لما طوردوا ولما أخرجوا ’ ولكن الأرض يرثها من يشاء من عباده ’ والعاقبة للمتقين .

|السابق| [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

فقه السيرة النبوية 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca